حركة الخوارج
الجزء ١ · صفحة ٣١١لكن العديد من «القعدة) انشغلوا بالنشاط الفكري. وإذا كانت البصرة المركز الرئيسي لهذا النشاط فإن أمصاراً أخرى في العراق وخارجه عرفت بدورها نشاطاً مماثلاً وقد تعدّدت المسائل التي تمحور حولها جدل الخوارج. فبالإضافة إلى مسألة «القعود» التي طرحت في بداية الفتنة الثانية والقضايا المتفرّعة عنها، خاض الخوارج كذلك في الجدل الدائر بين المسلمين حول قضيتي الجبر والاختيار ومرتكب الكبيرة»، كما اهتموا بقضايا أخرى ارتبطت بالأحداث السياسية أو الأوضاع الاجتماعية. لكن تعمّق الجدل في هذه القضايا
وربطها بالدين جعلها تبتعد تدريجيًا عن واقعها وتتحوّل إلى مسائل دينية وفقهية مجردة. ولئن ساهم هذا الجدل في تطور الفكر الخارجي والفكر العربي الإسلامي عامة، فإنه زاد في انقسام المجموعات الخارجية إلى فرق صغيرة تحمل أسماء مختلفة اندثر بعضها وتحوّل البعض الآخر إلى مدارس فقهية ليس لأتباعها أي وزن سياسي أو اجتماعي. ونستثني من كل هذه المجموعات الإباضية الذين نجحوا منذ انقسام الحركة في بناء تنظيم محكم جمع بين النشاط الفكري والسياسي وتمكن من نشر مبادئ الإباضية في إفريقية وجنوب الجزيرة العربية أثمر قيام انتفاضة في أواخر الحكم الأموي. أما الخوارج الذين لم يتخلّوا عن مبدأ الخروج والثورة فأغلبهم من خارج العراق وقد تبنوا الفكر الخارجي لأنهم وجدوا فيه سلاحاً لمحاربة السلطة. لذلك ارتبطت انتفاضاتهم بظروف السكان في تلك المناطق وعبرت عن رغبة أصحابها في التحرّر والانعتاق من الهيمنة الأموية. وإذا كانت الانتفاضات التي اندلعت بعد الفتنة الثانية صغيرة ومشتتة نجحت الدولة في إخمادها، فإن تلك التي اندلعت في الأشهر الأخيرة من الحكم الأموي تميزت بقوتها وارتفاع عدد المشاركين فيها.
ورغم الاختلاف الكبير بين هذه الانتفاضات فإن دراستها أظهرت أهمية التحولات التي طرأت على المجموعات الخارجية على امتداد الحكم المرواني. فالأجيال الجديدة تخلّت عن العديد من صفات الخوارج الأوائل إذ صارت أقل تطرّفاً وعنفاً من أسلافها وأكثر رغبة في النجاح، ولذلك صار مسعاها سياسيا وعسكريا بالدرجة الأولى، وضعف اهتمامها بالمسائل الدينية والمذهبية. وهذا ما يفسّر قبول بعض زعماء الخوارج الثائرين الدخول في اللعبة السياسية إلى جانب أطراف غير خارجية أو معادية للخوارج أحياناً. لكن هذه التحولات لم تكن - على أهميتها - كافية لنجاح المجموعات الثائرة في تحقيق هدفها. فقد تمكن الجيش الأموي من إخماد انتفاضاتها الضخمة التي اندلعت في أواخر الحكم الأموي، وقتل أغلب المشاركين فيها. وإذا كان فشل هذه الانتفاضات يعود إلى انقسام الثائرين وتشتتهم الجغرافي وغياب التنسيق بينهم، فإن السبب الأساسي يبقى قصور الخوارج عن بلوغ مستوى من التنظيم يمكنهم من التصدي للجيش الأموي والحاق الهزيمة به، ولذلك عجزوا طيلة الحكم الأموي عن لعب دور يقرّر مصير الأمة الإسلامية.
311