حركة الخوارج: نشأتها وتطورها إلى نهاية العهد الأموي (37 - 132هـ) لطيفة البكاي

حركة الخوارج

الجزء ١ · صفحة ٣١٠

أساسيا للنجاح ولم يكن من الصعب تحقيقه في خلافة علي بن أبي طالب. ويبدو أن تشتت الخوارج بعد النهروان وانشغال العناصر الثائرة منهم بالأحداث الهامة التي كانت تشهدها الأمة الإسلامية آنذاك، وخصوصاً بالمواجهات العسكرية مع السلطة، قد غيبت عن أذهانهم كل نظر إلى المستقبل أو تفكير فيه كما لم يكن لديهم الوقت الكافي لبلورة تصور واضح لعمل منظم يكفل النجاح لتحركاتهم.

لكن التفكير في النجاح قد راود بعض الخوارج خلال الحكم السفياني. ولئن كان من غير الممكن التعبير عن ذلك قولاً أو فعلاً في ظل القمع الشديد المسلّط عليهم، فإن موت يزيد بن معاوية واندلاع الفتنة الثانية قد فسح المجال أمام هؤلاء الخوارج للتعبير عن رغبتهم في تنظيم صفوفهم ونشر مبادئهم على نطاق واسع لجمع مزيد من الأنصار حولهم. وقد نفذوا ذلك بالخروج من البصرة إلى الأهواز والتجمع فيها استعداداً للمواجهة. لكن نافع بن الأزرق الذي قاد الخارجين إلى الأهواز فشل في جمع كل أنصار الحركة حوله، لذلك تبرأ من الرافضين للخروج أو القعدة) وكفّرهم، وهو ما ساهم في تفجير الخلاف داخل الحركة وأظهر على السطح كل تناقضاتها الكامنة وأدى إلى انقسامها.

وبرغم الانقسام، تمكنت ثلاث مجموعات خارجية من تنظيم صفوفها والقيام بانتفاضات ضخمة، نجحت اثنتان منها - وهي الأزارقة والنجدات - في السيطرة على مناطق شاسعة وإقامة دول خارجية استمر وجودها طيلة سنوات الفتنة الثانية. ولم يتمكن الأمويون من القضاء عليها إلا بعد استرجاعهم السيطرة على أقاليم الدولة وانتهاء صراعهم

مع ابن الزبير.

ولم يكن نجاح الأمويين في القضاء على المجموعات الثائرة ناجماً عن ضخامة الجيوش التي سخروها لهذه المهمة فحسب بل وإلى انقسام هذه المجموعات كذلك بسبب خلافاتها الداخلية. ورغم التباين الكبير بين الانتفاضتين وتعدد أسباب الخلافات التي عرفتها كل منهما، فإنه يُمكن القول إن كان ضعف «الدول» التي كونوها سببها الأساسي لافتقادها لهياكل أو مؤسسات يمكنهم بواسطتها مراقبة قادتهم ومحاسبتهم كما كانوا يرغبون. وهو ما يؤكد عدم امتلاك الخوارج لتصور واضح لدولة قائمة على مؤسسات وعجزهم - رغم مرور عدة سنوات - على تنظيم أفكارهم السياسية بصيغ مضبوطة وقابلة للتطبيق. كما أفقد التشدّد الديني للخوارج وميلهم إلى الثورة هذه الدول» عنصر الاستقرار وساهم في استفحال الخلافات الداخلية وتحويلها إلى صراع بين أفراد المجموعة الواحدة، وأظهرت هذه التجارب فشل الخوارج في قيادة أية مجموعة حتى وإن كانت خارجية. كان إخماد هذه الانتفاضات بداية مرحلة جديدة تغيرت فيها ملامح الحركة وفقدت العديد من خصائصها الأصلية. ولعل أولى التغييرات التي طرأت على الخوارج هي ميل أغلبهم إلى «القعود» وتخلّيه عن نزعة الخروج والثورة الدائمة التي ميزت أسلافهم ..

310