حماية الحريات ودولة القانون
الجزء ١ · صفحة ١٣٩الفصل الأول:
ظهور وارساء دولة القانون
المبحث الثالث: ضمانات حماية الحقوق والحريات في دولة القانون
إن الممارسة الفعلية للحقوق والحريات من قبل الأفراد والجماعات لا تتحقق بمجرد النص عليها وطنيا أو دوليا، ذلك أن تقريرها وتسجيلها في وثائق أيا كان شكلها يمكن أن يضل حبرا على ورق ما لم تتوفر الضمانات التي تسمح بالتمتع بها، اكبر دليل على هذا، ما تعيشه على أرض الواقع بعض المجتمعات في كثير من دول العالم. ولقد أدرك فقهاء القانون والسياسة أن الإقرار بالحقوق والحريات في الوثائق الدستورية أو التشريعية أمر مهم جدا، لكن الإقرار في نفس الوقت بضمانات تمنح تلك الحقوق والحريات التجسيد الفعلي لها وحمايتها من كل تعسف واعتداء أمر أهم بكثير.
لقد رأينا أن دولة القانون تقوم على أسس تتمثل في مجموعة من المبادئ والآليات التي تحكمها، منها وجود دستور يحتل أعلى مرتبة في القواعد القانونية حيث يبين نظام الحكم في الدولة ويعترف بحقوق وحريات الأفراد ويبين واجباتهم، كما يبين القواعد التنظيمية للسلطات العامة من حيث التكوين والاختصاص ويضبط العلاقة فيما بينها والمبادئ الضامنة لحقوق الإنسان أو المواطن.
إن تنوع صنوف الضمانات وتعدد صورها في مجمل الدساتير أو التي يتم التنصيص عليها في القانون الدولي يجعلنا نلتمس أقواها وأكثرها نجاعة. فلقد اختلف أهل الاختصاص في تعدادها لكن نلاحظ أنه يكاد يكون نوعا من الإجماع على بعضها، وهذا الاختلاف ناتج عن اتساع مفهوم الضمان وزاوية الغاية منه، بحيث يشمل كافة الوسائل التي يقررها القانون، سواء كان وطنيا أو دوليا وأيا كان موضوعها يكون من شأنها المساهمة في كفالة تلك الحقوق
والحريات.
ونظرا لهذا التشعب الذي لاحظناه في صور الضمانات القانونية وتعدد أشكالها سوف نتخير من هذه الصور أكثرها أهمية في نظر الفقه والتي كان الاجتماع حولها،، لذا سوف نكتفي بأهم تلك الضمانات مركزين على تعريفها والقواعد التي تحكمها قانونيا ومقتصرين في ذلك على ما نص عليه الدستور الجزائري الحالي، مضيفين له القواعد الدولية التي بدون شك تلعب دورا أساسيا في تدعيم القاعدة القانونية الوطنية وتطعيمها من حين لآخر بكل ما يطور ويرقي حقوق الإنسان أينما وجد. ولقد تضمن الدستور الجزائري الحالي كثيرا من المواد التي تنص على أهم الضمانات المجمع عليها، نورد أهمها في
نهاية كل فرع. واستكمالا للموضوع الذي تناولناه من وجهته العامة أضفنا مطلبا وفرعا ووضعنا فيه بعض القواعد والمكانزمات التي تدخل في ضمان تمتع الأفراد والجماعات بحقوقهم وحرياتهم وأطلقنا عليه. حسب بعض التسميات. الضمانات الواقعية والتي نجد الكثير منها في أرض الواقع مثل الرأي العام ومبدأ مقاومة الطغيان، لذا ارتأينا أن نقسم هذا المبحث إلى ثلاثة مباحث هي:
138