حماية الحريات ودولة القانون
الجزء ١ · صفحة ١٩٧الفصل الأول:
ظهور وارساء دولة القانون
المشرّع لهذه الوثيقة (الدستور) (1). أمّا الوثائق المتعلّقة بالمنظمات الفئوية كالعمّال والتي شاركت فيها الجزائر بتمثيل فئوي أيضا، فلا نرى ضرورة التعرّض إليها في هذا المبحث وقد
نشير إليها في موضعها. الفرع الثاني: الضمانات الواقعية.
بالإضافة إلى مجموع الضمانات التي تعرضنا لها ضمن المباحث السابقة لهذا الفصل والتي تعد أساسية وضرورية في تكريس دولة القانون بمقوماتها، وخصوصا اعترافها بحقوق وحريات الأفراد وضمان كفالة التمتع بها وحمايتها، فإن هنالك ضمانات أخرى يعد توافرها في المجتمع دعما لباقي الضمانات الأخرى.
إذ يعد ما سبق التطرق إليه من الضمانات بمثابة الحد الأدنى الواجب توافره لتحقيق الوجود الفعلي لدولة القانون، إذ لا يمكن الجزم بقيامها دون توافر أغلب هذه الضمانات فلا يمكن تصورها دون الفصل بين السلطات، واستقلالية جهاز القضاء وسمو الدستور واحترام أحكامه، وخضوع الأجهزة التنفيذية والإدارية لرقابة متعددة المصادر تضمن التزامها بالقانون وعدم تجاوزه في مواجهة الأفراد وكفالة حقوقهم وحرياتهم، مع ضرورة احترام الدولة لالتزاماتها الدولية، وبالأخص ما تعلق منها بحماية حقوق الإنسان، التي تستمد أغلب أسسها القانونية من مضمون الاتفاقيات الدولية أو ما يعرف بالقانون الدولي لحقوق الإنسان، وتشترك هذه الضمانات في ارتباط تكريسها الفعلي كضمانات لتحقيق دولة القانون بتوجهات السلطة الحاكمة ومدى تبنيها للنظام الديمقراطي وسيادة القانون.
إلا أن ارتباط هذه الضمانات بمدى ديمقراطية السلطة الحاكمة وسعيها الفعلي لتكريس دولة القانون وحماية الحقوق والحريات فيها يجعل أمر توافر هذه الضمانات مرهونا بيد السلطة بما لا يضمن تحقق هذه الضمانات دوما، فقد يحدث أن تستبد السلطة بالحكم بما يتعارض وتوفر هذه الضمانات، كما قد يحدث أن تتوافر هذه الضمانات بشكل صوري يعطي الدولة ملامح دولة القانون من الناحية الشكلية فقط، ودون أن تكون ملتزمة فعلا بذلك. ثمة، ومن الفكر الإنساني إلى البحث عن ضمانات إضافية تدعم وتعزز الضمانات السابق ذكرها تكريسا لدولة القانون وكفالة الحقوق والحريات فيها، إلا أن توافر هذه الضمانات، وعلى خلاف باقي الضمانات الأخرى، لا يرتبط بموقف السلطة الحاكمة، وإنما يرتبط أساسا بمستوى وعي أفراد المجتمع وسعيهم الشخصي لكفالة احترام حقوقهم وحرياتهم في إطار احترام المبادئ الأساسية لدولة القانون ومقوماتها.
(1) السيد مولود حمروش رئيس الحكومة الجزائرية سابق وإحدى الشخصيات الفاعلة في وضع دستور 89/ 02/23، حيث كان آنذاك أمينا عاما لرئاسة الجمهورية، معلومة تحصلت عليها ردّا عن سؤال في الموضوع في لقاء معه بمنزله يوم 1998/ 09/12.
196