تأسيس الغرب الإسلامي
الجزء ١ · صفحة ١٥٤يبرز المجتمع البربري في الجملة، كمجتمع مكبوتين ومحرومين، غير أنه إذا ما وقع إقصاؤه من خيرات «الحضارة»، فإنه
حافظ على الأقل على استقلاله وقاتل من أجل حماية هويته. وأكثر إجمالاً أيضاً، ظل مجتمع إفريقية في فجر الإسلام خاضعاً في ديناميته وحركيته التي ينزع إليها إلى ضغط الجغرافيا الأكثر بساطة. من جانب آخر، كان تاريخه وما يحفزه اجتماعياً وسياسياً هو الصراع القائم بين المدينة والريف بين الاستقرار والترحال.
لقد استعاد الإسلام فضلاً عن ذلك، الإرث القديم، وبعد عجنه وإثرائه - أو إفقاره - طوّر مثلاً العبودية في المدن، وحافظ ربما على ارتباط الريف بالأرض، وساهم في التطوّر التجاري والحرفي، وأوجد الأطر الاجتماعية الجديدة. وبحكم أنه محافظ اجتماعي في مجمله، تمكن الإسلام مع ذلك من زرع آمال هائلة في الاندماج والمساواة. بل ذلك، أنه أحيا - بنموذجيته وهيكلة دعائمه العربية - فكرة وأكثر من النسب والتضامن القبلي، التي نجحت روما ووريثتها بيزنطة في تدميرها
جزئياً.
مصير
ومع التراجع المؤقت، نجح الإسلام في ديالكتيك لا مثيل لها ما بين الخير والكوارث فيما فشل فيه، سابقوه، لأنه وحد إفريقية في مشترك وهو ما وقع الشعور به في المستوى الأكثر عمقاً. إن الحقيقة الاجتماعية المجزأة في العمق وقع اختراقها عن طريق موجات الاختلاط، والتكيف والاندماج، ولذلك لا يمكن أن نقيس بالضبط مدى تأثير المحيط الاجتماعي المحلّي في العرب. وعلى العكس ذلك رشح العرب أنفسهم كعنصر نشيط ومكيف عن طريق ثنائية من عملهم القائم على التعريب والأسلمة.
لقد كان الروم واليهود الأكثر جموحاً عن هذا التأثير، أما الأفارقة فقد تعرّبوا أكثر من اعتناقهم للإسلام لأنهم كانوا يتمتعون بقطب المقاومة الديني المتمثل في المسيحية، وعلى كل حال فقد وقع
158