تأسيس الغرب الإسلامي
الجزء ١ · صفحة ١٥٦الحضارة المادية
طبعت فترة القرنين الأولين للإسلام، هنا مثلما هو شأنها في المشرق بالترسيخ التدريجي لحضارة إسلامية ذات صبغة جديدة قائمة
على التوازن المتناغم بين الجديد والمتواصل.
لا بد من
(1)
أن يعرف المشهد الجغرافي والبشري عديد التحولات، فالمدينة العربية ليست مدينة العهد القديم ونفس الشيء بالنسبة إلى الزي الشرقي الذي اختلف كلياً عن الزي القديم ويمكن أن تساعدنا الدراسة التاريخية لأصل الأسماء (طوبونيمي Toponymie) على الفهم السريع لتعريب أسماء المدن والمناطق). وبهذا أصبحت طرابلس Tripoli أطرابلس، وقرطاج قرطاجنة وتحوّلت سُفيطلة إلى سبيطلة وكَمُونَيا إلى قمونية ولبتيس Leptis إلى المطة وثاكا إلى باجة وكابصا Capsa إلى قفصة. باختصار، اتبع التغليف العربي - في أغلب الأحيان - وعن كثب شكل الأسماء القديمة، أما الانقطاعات الأكثر عمقاً، فقد حدثت في مستوى المناطق، إذ اختفى اسم البروقنصلية ونوميديا تماماً، في حين عُوِّضَت البيزاسان Byzacène بالتسمية العربية مزاق (2)، وتعني سهول القيروان فقط بينما جاء لفظ الزاب ليعوض تقريباً اسم نوميديا. فمحاور المناطق لم تعد هي نفسها: فَالبيزاسان، لم تعد منحدراً، بل أصبحت مقرّ العاصمة ومركز إشعاع للسلطة الإسلامية وفقدت بالتالي، وحدتها فانقسمت إلى مناطق صغيرة حيّة مثل الساحل (?)، وبلاد قمودة وقسطيلية (الجريد). وسقطت بعض المدن القديمة، أو وقع إجلاؤها ببساطة مثل سبيطلة Suffetula، وتبسة The este، وقرطاج، وحافظت أخرى على نفس
مثلاً،
H. H. 'Abdelwahab، «Villes arabes disparues»، Melanges W. Marçais، pp. 1 - 13. . Id. «Du nom arabe de la Byzacène»، Revue Tunisienne، 1939، p. 201
(1) (Y)
(?) برز مفهوم الساحل وعبارته في ابن الرّقيق، تاريخ م. س ص 125، وفي الوثائق
الخارجية.
160