تأسيس الغرب الإسلامي
الجزء ١ · صفحة ٢٧ويُطرح مشكل آخر أيضاً، يتعلّق بالموقف البيزنطي إزاء كسيلة في الوقت الذي كان فيه مهدّداً. يبدو بوضوح أنّ هذا الموقف كان غامضاً، فالبيزنطيون لم يجلبوا له إلا مساعدة متحفّظة، وعلى كل فهي غير كافية لتجنّبه الكارثة. وهذا ما يُفسّر أن الأخبار تجمع بين الروم والبربر وتضعهم جنباً إلى جنب في هزيمة ممس؛ ولكن نفس هذه الهزيمة التي دمرت نظام البرانس كليّاً لم تُؤثر تقريباً مطلقاً في المواقع البيزنطية. بل على العكس من ذلك، ستشهد السنوات التي تلت تنحي كسيلة، تجديد النشاط البيزنطي. ففي سنة 71هـ أبحر أسطول إغريقي في برقة، وحمل المسلمين الموجودين فيها على الاسترقاق وعندما قدم زهير لنجدتهم أن غادر إفريقية، حاول المقاومة فقُتل وبعد أن انتقم العرب لموت عقبة، لم يبقوا فعلاً في إفريقية. وقد حاولت المصادر عبثاً أن تقدّم لنا أنّ زُهيراً «أخذه زهد ديني مفاجئ عن أمور الدنيا، وحسب عبارة شارل ديل Ch. Diehl لا يسعنا مسايرة هذا التفسير الساذج.
بعد
أيتوجب إذن أن نَعْزُوَ إلى قوة التهديد البيزنطي، الانسحاب غير المنتظر لزهير بعد انتصاره على البرانس؟ لا يبدو ذلك لأن البيزنطيين ليست لهم الإمكانيات لجعل العرب يتراجعون، وبالفعل لم يبادروا إلا بعد انصرافهم. من جديد، يجب أن نقدّم تفسيراً داخلياً، فحوالي 71هـ، استعد الخليفة عبد الملك بن مروان لمواجهة عسكرية مع مصعب بن الزبير، غير أنه تردّد في اختيار الوقت فقد وضع مخطط الانطلاق في اتجاه العراق، ثم أقلع عن ذلك لأنه كان غير واثق في قواته؛ فهو بوضوح لا يستطيع أن يُجيز ترك جيش عدّته عدة آلاف من الرجال في وقت شديد الحرج. فوقع استدعاء زهير إذن إلى برقة مع فيلقه في حدود 70 أو ??هـ، وكان معظم الجند قد سبقه إلى مصر ومن هناك إلى سوريا. هكذا وبعد أن تجردت مدينة برقة من جند المسلمين فوجئت باليونانيين الذين
شنوا غارة سنة 71هـ، التي استُشهد خلالها زُهير.
??