دراسات تحليلية في موضوعات فلسفية
الجزء ١ · صفحة ٨٣لا
لا جرم أن العوامل السياسية المرتبطة بالخلافة دفعت بعض المسلمين الى القول بأن الإنسان مسير لا مخير، لا سيما النزعات الإرجائية التي ميزت بين الأعمال والإيمان فالإيمان في نظرها هو
التصديق بالقلب والإقرار باللسان فقط. وليس من الضروري
أن
يصدر عنه العمل. (63) ولقد ظهر هذا المنحى الخطير في عهد الخلافة الأموية فشجعته لإثبات سلطتها يومذاك.
وعلى أية حال فقد ظهر اتجاهان متعارضان في الفكر
الإسلامي حول هذه المشكلة وهما:
1 - الاتجاه الجبري: تزعمه جهم بن صفوان المتوفى سنة 128 هـ، القائل بأن الإنسان مجبر جبرا مطلقا، فالإنسان لا
يختلف عن الجماد إلا بالمظهر فقط.
ويقول: إن الإنسان مجبور وليست له إرادة حرة ولا قدرة
على خلق
أفعاله، وهو كالريشة في مهب الرياح، لا تملك مصيرها. والله هو الذي يخلق الأفعال على يد الإنسان. الله إنطلاقا من هذه الفكرة فإن الأفعال الإنسانية كلها جبر أفعاله
والتكليف جبر كذلك، ثم لو كان الإنسان حرا في خلق لكان هناك خالقان فيصبح هناك خالق غير الله وهو الإنسان، فهذا يتنافى مع صفة الخلق التي لا تكون إلا لله عز وجل، حيث
(63) راجع الفرق من الفرق - للبغدادي ص 25.
88