تاريخ الجزائر المعاصر محمد الأمين بلغيث

تاريخ الجزائر المعاصر

الجزء ١ · صفحة ٣٨

تاريخ الجزائر المعاصر. دراسات ووثائق.

31

(1).

سوء فهم لجدلية الصراع الحضاري حيث وقف مصطفى بن إسماعيل مثلا موقفا مخزيا ورغم أن قاتله قد جاء برأسه إلى الأمير فقد تمنى لو جاءه على جواده ليستعين به على مقاتلة الفرنسيين (). قال الأمير: وقد استهجن قطع رأس خصمه مصطفى بن إسماعيل فإني لا أحب أن يكون مصطفى بهذه الحالة وإنما أحببته أن يأتيني على فرسه حيا مزيل عنا للنكالة.

لقد طرحنا في بداية هذه الدراسة إشكالية كبيرة: لماذا لم يتمكن الأمير ورجاله الذين أخلصوا في السلم والحرب من دحض القوات الاستعمارية في بداية الاحتلال، وعلى الرغم أن الطرح لم يكن جديدا على المدرسة التاريخية الجزائرية ولا على الوثائق التي درست المسألة من جميع جوانبها، ولكن بالمختصر المفيد أقول: إن هؤلاء الرجال بقيادة الأمير كانوا الصيحة القوية الأخيرة لغريق بلغ الدوامة الحقيقية لمحيط عميق آسن، إنه تخلف القرون فلا يمكن إدراكه في أقل من عقدين من الزمن.

فمنذ بدء جهاد الأمير ضد الغزو الفرنسي لم يكن جاهلا بميزان القوى

3 ?

العسكرية والسياسية والعلمية والاقتصادية، لذلك لم يكن لديه وَهُم بالنصر بل كان يقوم بواجبه الديني والوطني كما يليق بأي رجل سوي العقل شريف، وقد عبرت رسالته من سجنه إلى الأسقف "دوبيش (2) أنه لم يكن صاحب

(1) المزاري، الآغا بن عودة طلوع سعد السعود، الجزء الثاني، تحقيق ودراسة يحيى بوعزيز، بيروت، دار الغرب الإسلامي 1990 م ص: 208

(2) هو أنطوان دوبيش من مواليد بوردو، عُيّن أسقفًا للجزائر عام 1838 م وقام بحملة كبيرة تحت حماية بوجو لإعادة أسقفية الجزائر وأحيى فكرة إعادة رفاة القديس أغسطين إلى (هيبون) عنابة في حفل استفزازي لا يليق إلا بالفرنسيين الصليبيين، وقد فاوض الأمير عبد القادر وبعض خلفائه حول الأسرى، وقد أنشأ بالجزائر من 1839 إلى غاية 1846 م منجزات