الاتجاهات الثقافية في بلاد الغرب الإسلامي
الجزء ١ · صفحة ١٩٦ثالثاً الرحلة في طلب العلم وأثرها في نشر الثقافة المذهبية في بلاد الغرب
عندما استقبل المغاربة موجات العرب الفاتحين أخذوا عنهم دينهم ولغتهم، واجتهدوا ما استطاعوا لمنافستهم أو التفوق عليهم، واعتبروا أن العلم ليس حكرا على أحد، وأن تلقي العلم حق للجميع، وأن لطالبه الحق في الاتصال بالعلماء والأخذ عنهم. ومن ثم حرص المغاربة على تلقي العلم من منابعه.
فجالسوا مشاهير العلماء، وأخذوا عنهم ما ألفوا من كتب وما ألقوا من دروس.
كانت الرحلات الأولى لعلماء بلاد المغرب تتزامن مع موسم الحج لتأدية الفريضة ومقابلة العلماء ومناظرتهم والأخذ عنهم، وكان ملتقى المسلمين في الحج إضافة إلى تشاورهم في أمور دينهم ودنياهم، فإنه ملتقى لأصحاب المذاهب الفقهية والسياسية كما أنه ملتقى لاستقطاب العلماء أو القادة، وبخاصة أن ذلك العصر كان عصر التنافس بين الأمراء والخلفاء في احتضان العلماء والفقهاء، والأدباء والشعراء وأرباب الصنائع من نقاشين مهرة ونحاتين، وخطاطين، وبنائين، وكل ما هو فريد نادر، ولد في نفوس العلماء الرغبة في الرحلة لتحقيق الأغراض التي يرسمها العلماء لأنفسهم ورفق إمكانياتهم.
ولما كانت أغراض الرحلات متنوعة، فإن الرحلات الأولى للمغاربة المسلمين كانت تتركز في الدراسات الدينية كالفقه والحديث، فاتصلوا بإمام دار الهجرة - مالك بن أنس - وكانوا يحظون عنده بالعناية والرعاية لنباهتهم من جهة، ولنشر مذهبه ببلاد المغرب من جهة أخرى، كما اتجه بعض علماء بلاد المغرب