الاتجاهات الثقافية في بلاد الغرب الإسلامي
الجزء ١ · صفحة ٢٣٨الرحلة بين المشرق والمغرب
235
على أن اندماج الفرس في الحضارة العباسية، وانتقال كلمات فارسية اختلطت باللغة العربية شأنها في ذلك شأن أي ثقافتين يتم الاختلاط بينهما، فقد تتأثر لغة إحداهما ببعض المفردات الموجودة في اللغة الأخرى، وهذا الأمر لا يؤكد باستمرار أن أسماء الأشياء تعني أصالتها وانتماءها للأمة صاحبة الاسم. ومهما يكن من أمر فإن التأثيرات المشرقية على الثقافة في بلاد المغرب، قد شملت أوجها متعددة، وذلك لوجود جماعات بشرية اعتنقت الإسلام وتنتمي إلى حضارات وثقافات أخرى. وبالتالي سيؤثر أصحاب تلك الثقافة، خاصة إذا كانوا بأعداد كبيرة مثلما كان الحال بالنسبة للفرس الذين أثروا وتأثروا بالمجتمع الذي عاشوا فيه كما أن العرب الوافدين من الشام والعراق والجزيرة العربية ومصر قد جاءوا ومعهم ثقافتهم إضافة إلى جهود الأمراء والخلفاء بعد ذلك في جلب كلّ ما هو جديد من بغداد ومن فارس ومن الصقالبة المجلوبين من بلاد أوربا لذا كان تأثير هؤلاء جميعا واضحا في ثقافة أهل المغرب.
كما أن رحلة المغاربة إلى بلاد المشرق - بصورة خاصة- قد مكنتهم من اقتباس وتعلم بعض ما شاهدوه وأعجبوا به، ولم يكن موجودا في بلادهم أو أنه كان أكثر جودة وفي هذا الإطار كان إدخال اسماعيل الطلاء لصناعة الزليج إلى بلاد المغرب، فقد ذكر الزبيدي (1) أن طالبا من القيروان يدعى إسماعيل «الطلاء» ذهب إلى بغداد لتعلم النحو وتعامل مع غضارى فأخذ سر تركيب المواد والعناصر التي تتخذ منها الأصباغ على اختلاف أنواعها فصنع هناك 120 زليجة ورجع إلى القيروان وصنع بعد أن عرف الطريقة مائة وعشرين 120 زليجة ثانية وكسا بها محراب جامع عقبة بالقيروان عام 249 هـ فكانت منطلق انتشار الغضاري.
ومن خلال اسماعيل الطلاء انتشرت صناعة الزليج وعرفت في بلاد المغرب حيث استعمل في جميع المدن المغاربية خلال القرنين الثالث والرابع والهجريين/ التاسع والعاشر الميلاديين ومنها انتقل إلى الأندلس.
(1)
طبقات النحويين واللغويين، ص 241 وما بعدها.