الاتجاهات الثقافية في بلاد الغرب الإسلامي
الجزء ١ · صفحة ٣٠٥302
الاتجاهات الثقافية في بلاد المغرب
ومهما يكن من أمر فإن بناء المساجد باعتبارها المعين الذي لا ينضب لتخريج العلماء والمثقفين كان منتشرا في معظم القرى والمدن ليس في طرابلس أو برقة فحسب ولكن على امتداد العالم الإسلامي، كما تنتشر المدارس في عصرنا الحاضر إذا لا تخلو قرية أو مدينة منها.
وقد شهدت المساجد التي اتخذت في ذات الوقت كرباطات ومحارس وبخاصة تلك التي تقع مقابلة للساحل نهضة ثقافية شملت دراسة العلوم الدينية
اللغوية.
وأيا كان الأمر فإن المدن والقرى على امتداد بلاد المغرب قد شهدت تطورا ثقافيا كان وراءه عدد من القراء والفقهاء والأدباء وبخاصة خلال القرن الرابع الهجري / العاشر الميلادي. فقد ذكر البكري: أن أهل وذان عندهم فقهاء وقراء وشعراء» (?) فإذا كان ذلك في مدينة ودان النائية فإن الأمر يكون أعم في المدن الواقعة على الساحل، على أن طبقة العلماء والفقهاء كما هو معروف ـ لا ينالون شهرة إلا اذا ارتحلوا في طلب العلم ولقاء الشيوخ وقد سبقت الإشارة إلى ذلك عند توضيح أهمية الرحلات بين المغرب والمشرق وأثره في الحياة الثقافية.
وقد كان لمدن طرابلس وبرقة، وجبل نفوسة زمن بني عبيد نشاط ثقافي كبير، فقد كانت تلك المدن تحفل بالحلقات العلمية حول الشيوخ، وهذا الأمر متعارف عليه في جميع أنحاء العالم الإسلامي، كما أن دور المساجد، والكتاتيب التي يتلقى فيها الصبية حفظ القرآن، ومبادئ القراءة، وشيئا من الحساب يُعد أمرا حيويا لا غنى عنه في المدن والقرى ومن الأدلة على ازدهار النشاط الثقافي في كل من طرابلس وبرقة وجبل نفوسة أن عددا من المثقفين من تلك المدن قد ذاع صيتهم في مصر والأندلس والقيروان وصقلية وبخاصة أن أبواب الهجرة كانت مفتوحة أمام المثقفين في كامل العالم الإسلامي آنذاك، ولعل سبب الهجرة كانت بهدف الحصول على منصب أو هربا من حكم العبيديين، وبخاصة بالنسبة لأولئك الذين يختلفون معهم في المذهب.
(1)
659/ 2،عباس، إحسان تاريخ ليبيا منذ الفتح العربي حتى مطلع القرن التاسع
الهجري، ص
.105