المجلد السادس
الجزء ٦ · صفحة ٨٥١الآن
والمكان وهي
شريعته الغراء وأحكامه الجمود ضمن نصوص بعينها بغير اجتهاد فقهي سليم يناسب حال المسلمين ويواجه متطلباته، إذ جعل الله الشريعة الإسلامية صالحة بما فيها من اتساع ومرونة وتجديد لِكُلّ زمان ومكان. وأظهر الدلائل على ذلك ما نحن وهو القانون الجزائي فإن العقوبات المحددة بنص القرآن الكريم وباقي بصدده جرائم التعزير ترك تقديرها لأهل العلم ولأولي الأمر بما يتناسب وظروف الزمان الغالبية. لذلك فإن دعوتي بوجوب الأخذ بأحكام الشريعة الإسلامية معناه ضرورة إعمال النصّ الشرعي فإذا وجد بصدد مسالة معينة حكم شرعي من الأصول العامة وثبت هذا الحكم بالنصّ في القرآن والسنة كما هو الشأن في الحدود جميعها وجب أن لا يخرج القانون الجزائي عن هذا الحكم وإذا لم يكن هنالك نص في الأصول العامة يحكم المسألة ففي اجتهاد المسلمين غناء قال الله في محكم كتابه يريد الله بكم اليسر ولا يريد بكم العسر (3) وليس في حكم الشرع الشريف أي حرج علينا ولكن الحرج كل الحرج أن نخرج عن كتاب الله وسنة رسوله في ما ظهر نصه فنتجاهل حدوده ونواهيه ونتبع سنة أمم لم يأتها نبأ ديننا وشريعتنا على حقيقتها فابتدعوا لأنفسهم ما يناسب حالهم وظروفهم فأخذنا للأسف أن ما لدينا هو من عند الله فلو اتبعنا أمر ربنا وتجنبنا نهيه لكان
لنا من صريح
الشديد نقلدهم مع
أولى بنا.
ما
صاحب الجلالة إن من الأدلة التي يجب أن نستشهد بها في هذا المقام هي جاء في مؤتمر القانون الدولي المنعقد في لاهاي بهولندا في آب/ أغسطس عام 1937 ميلادي حيث أصدر أعضاء المؤتمر وهم من أكبر رجال القانون في العالم قراراً بصلاحية الشريعة الإسلامية للتطور. وإنها مصدر من مصادر التشريع الحديث. وأنها أصيلة وليست مقتبسة من غيرها من الشرائع الوضعية ولا متأثرة بها. كما أصدر المؤتمرون قراراً بأن تكون اللغة العربية لغة هذه الشريعة إحدى لغات المؤتمر في دوراته المقبلة وأن يدعى إلى هذه الدورات أكبر عدد ممكن من علماء الشريعة الإسلامية على اختلاف مذاهبهم. وقد ذكر الدكتور أنريكوا نستابو في كتابه القيم الإسلام وسياسة الخلفاء إن الإسلام إذا كان محدوداً غير متغير في شكله بأنه مع هذا يساير ما تقتضيه الظروف فهو يستطيع أن يتطور دون أن يتضاءل مع الزمن ويحتفظ بكامل حيويته ومرونته ولا يجوز أن تهدم يدّ الخلافة هذا الصرح العظيم من العلوم الإسلامية وأن تغفل أو تمسه بسوء. فقد أوجد للعالم أرسخ شريعة تفوق في كثير من التفاصيل الشرائع الأوروبية. وقد اهتمت
الشرائع
ثباتاً
(3) المصدر نفسه، سورة البقرة " الآية 185.
مرور
852