دراسة عن الفرق في تاريخ المسلمين
الجزء ١ · صفحة ٢٢٤Converted by Tiff Combine (no stamps are applied by registered version)
#
الفكرة لها سند قوي من الأحاديث والآثار رغم الخلاف حول صحتها. ومن ثم فليس هناك ما يبرر تلمس جذور أجنبية لها، لاسيما إذا ما جردت الفكرة من الأوصاف الأسطورية التي نسبت إلى المهدي، والدور الذي سيؤديه، وأبعد عنها بعض الخرافات والأباطيل التي نسبت إلى بعض مدعي المهدية. أما الحركات المهدوية التي ظهرت في تاريخ الإسلام فلم تكن جميعها مثيرة للفتن والفوضى، صحيح إن بعضاً ممن قاموا بهذه الدعوات كانوا مجرد دجالين ضلوا وأضلوا الناس، ولكن بعض هؤلاء لم يظهروا إلا على أثر ظروف استشرى فيها الشر وانتشر فيها الفساد، فظهر هؤلاء للناس كمصلحين يحاولون إنقاذهم. وكانوا مخلصين في دعوتهم، ولكنهم تبنوا فكرة «المهدوية، ونسبوها إلى أنفسهم أو نسبت إليهم، ليضفوا على حركاتهم الإصلاحية صفة الشرعية ولكي يضمنوا التأييد والدعم من عامة الناس. وقد قام بعضهم بإزالة المفاسد وإحياء الإسلام في نفوس الناس وحثهم على الجهاد ضد الظلم والطغيان والاستبداد وأقرب مثل لهذا مهدي السودان الذي ظهر كثائر على الفساد الإجتماعي والأخلاقي والإنحراف العقائدي الذي انتشر آنذاك، واستطاع أن يرفع الظلم عن كاهل الناس ولو لفترة وجيزة .. وأن يصحح إلى حد ما .. معتقدات الناس ويحررها من الخرافة والدجل). فقد جاء في منشورات المهدي، الدعوة إلى إماتة ما حدث من البدع والضلال، والإنابة إليه تعالى في كل حال .. ونبه إلى أن دسائس أهل الكفر التي أدخلوها على أهل الإسلام وضلالتهم التي مكنوها في قلوب الأنام، قد أفضت إلى إندراس الدين، وعطلت أحكام الكتاب والسنة بيقين فصارت شعائر الإسلام غريبة بين الأنام، وتراكمت الظلمات وانتشرت البدع وأبيحت محارم الإسلام. كما دعا المهدي إلى أن يكون الجميع يداً واحدة على إقامة الدين وإخراج أعداء الله من بلاد المسلمين. وقد قاتل المهدي الأتراك ثم الإنجليز وطهر السودان من طغيانهم وفسادهم واستبدادهم كما عمل على تنفيذ أحكام الله وتطبيق شريعته، فأبطل السحر والتمائم وكتابة الأحجبة، والنياحة على الميت، وحرم شرب الدخان ونهى الاستعانة بالأولياء وزيارة قبورهم ودعا إلى الزهد والتقلل من الدنيا، وألزم الرجال والنساء آداب الإسلام في الزي والاجتماع. كما نفذ الحدود الإسلامية في كل من انتهك حرمة توجب حداً فجلد شارب الخمر وحد الزاني والسارق، وفي نفس
عن
(1) يسألونك عن المهدية الصادق المهدي)، ص 115 وما بعدها.
- 224