وظيفة التراث الديني ودلالته في شعر مفدي زكرياء
الجزء ١ · صفحة ١١٥يستمد حصيلته اللغوية من القرآن الكريم " (1).
فالتتبع الجزئي لما ورد من توظيف للتراث الديني في الديوانين يكشف وفق عملية إحصائية أن نسبته تصل إلى 90 % إذ لا تخلو قصيدة أو مقطع من اقتباس تركيب أو مفردة أو آية أو استدعاء حادثة أو موقف كلها من مدونة هذا التراث وبذلك فهى تأخذ شكلا تناصيا يقوم على التوليد؛ أي أن النص الحاضر يستولد من النص الغائب معنى إضافيا يتحرك من خلاله.
أما من حيث استدعاء أو استحضار المواقع أو المواقف التاريخية فإن عملية التناص في جملتها قائمة على التداخل البنائي و الوظيفي، وهذا دائما في إطار دمج أو ربط الحاضر بالغائب، وقد أشرت سابقا إلى ذلك في التحليل. إن الشاعر بتوظيفه لهذه الدلالات التراثية يكون قد وصل تجربته بمعين لا ينضب من القدرة على الإيحاء والتأثير؛ ذلك أن المعطيات التراثية تكتسب لونا خاصا من القداسة في الأمة ونوعا من اللصوق بوجدانها لما للتراث من حضور حي و دائم في هذا الوجدان. و الشاعر نفوس حين يتوسل إلى الوصول إلى شعور الأمة عن طريق توظيفه لبعض مقومات تراثها وأشكاله، يكون قد توسل إليه بأقوى الوسائل تأثيرا فيه.
وكل معطى من معطيات التراث الديني يرتبط دائما في وجدان الأمة بقيم روحية وفكرية، بحيث يكفي استدعاء هذا المعطى أو ذاك من معطيات التراث لإثارة كل الإيحاءات والدلالات التي ارتبطت به في وجدان المتلقي تلقائيا. فليس غريبا في هذه الحالة إذن " أن نجد الشاعر يفسح المجال في قصيدته للأصوات التي تتجاوب معه والتي مرت ذات يوم بنفس التجربة وعانتها كما عاناها الشاعر
نفسه " (2).
وهكذا وجد الشاعر مفدي زكرياء رهن تصرفه مئات الأصوات التي يمكن أن ترن في وجدان المتلقي بحكم الترابط الروحي والتاريخي الذي يربطه بها. و هو حين يوظف هذه الأصوات يكون قد
(1) محمد ناصر: مفدي زكرياء شاعر النضال والثورة. ص: 109
(2) عز الدين إسماعيل: الشعر العربي المعاصر. ص: 307.