وظيفة التراث الديني ودلالته في شعر مفدي زكرياء
الجزء ١ · صفحة ٣ـــدمة
لقد شهدت ساحة الدراسات النقدية، والدراسات الأكاديمية اهتماما كثيرا بعلاقات النصوص وتشابكها في نسيج واحد، يستعيد الشاعر به عن طريق ذاكرته الثقافية أهم رموز التراث والثقافة، بسبب دورها في تكثيف النص الجديد وأعني ربط النص السابق باللاحق، بل إن علاقة الشعر المعاصر بالتراث قوية إلى حد أنها تشكل ظاهرة بارزة ومهمة، حيث رافقه هذا التراث منذ بدء النهضة، ولم يخف التشابك بينهما بل ازدادت وقويت لحمته حتى انتهى إلى الاتحاد في شبكة من الرموز داخل العمل الفني في أعمال شعراء القصيدة الجديدة. وضمن هذا المسار يتجه هذا البحث إلى محاولة الكشف أشكال التراث الديني المتنوع بدلالاته المختلفة، وطريقة توظيفه في شعر مفدي زكرياء، من خلال ديوانيه (اللهب المقدس) و (إلياذة الجزائر).
عن
لقد تكلل اهتمامي بشاعرنا أن وجدت نفسي مندفعا إلى هذا الموضوع اندفاعا؛ إذ أن أشعار مفدي زكرياء أصبحت في حد ذاتها جزءا من تراث الشعب الجزائري، يتردد صداها في وجدانه ما إن يسمعها، بل أصبحت جزءا من الذاكرة الجماعية التي ترتبط بالماضي الذي لا ينسى، ومما زاد في قوة أشعاره وتأثيرها، استلهامه للتراث منوعا لاستخدامه ومتعمقا في دلالاته، فلقد كان التراث بالنسبة إلى الشاعر، هو الينبوع الدائم المتفجر بأصل القيم وأنصعها، وأنقاها، والحصن المنيع الذي يلجأ إليه كلما عصفت به العواصف فيمنحه السكينة والأمن " فكثيرا ما ارتد الشاعر المعاصر إلى تراثه فما خذله هذا التراث مرة ارتد إليه مهموما ومسرورا، مهزوما ومنصورا، حرا ومقهورا، فوجد فيه ما يهدهد همومه وما يجسد، سروره ما يواسي في هزيمته وما يتغنى بنصره، ما يمجد حريته وما يتمرد على قهره " (1).
فارتباط مفدي زكرياء بالتراث شكل التحاما كليا، يعود لطبيعة التجربة والصراع الذي عاشه في فترة الاستعمار والثورة. ولعل أغلب شعراء الوطن العربي في تلك الفترة تقاسموا التجربة وعادوا
(1) علي عشري زائد استدعاء الشخصيات التراثية في الشعر العربي المعاصر. دار الفكر العربي، القاهرة، ط 1979/ 1، ص: 7.
-2 -