الفرق والمذاهب الإسلامية منذ البدايات
الجزء ١ · صفحة ١٠٠تعقيب نهائي على دور المعتزلة:
قام المعتزلة بدور رئيسي في الحياة العقلية للحضارة الإسلامية منذ القرن الثاني إلى الخامس الهجري حتّى تواروا بعد ذلك - كمذهب مستقل عن مسرح الفكر، (وإن بقيت كثير من أفكارهم لدى الشيعة، وفي تبرير أقول نجمهم قيلت عدة تفسيرات:
1 - معاداة الدولة لهم منذ عهد المتوكل باستثناء فترات لقوا فيها رعاية بني بويه، غير أنَّ اضطهاد السلطة غير كاف في تبرير ذلك، على العكس؛ فإنَّ اضطهاد السلطة يكون ـ في كثير من الأحيان ـ من عوامل تشبث المضطهد بأسباب البقاء، والشيعة والخوارج أوضح مثلين على
ذلك، ولم يكن عداء الدولة للمعتزلة أشدَّ من يوم من الأيام من عدائها للشيعة والخوارج. 2 - خطأ المعتزلة القاتل في استعدائهم الدولة على خُصومهم بصدد مُشكلة خَلق القرآن، ليس فحسب لأنَّ مُمثلي «حُرِّيَّة الفكر» قد مارسوا تقييد الفكر والحجر على الرأي، وذلك من المتناقضات المقتضية للانهيار، وإنما لأنهم مارسوا ذلك مع إمام جليل من أئمة الفقه، ومن ثم؛ كان رد الفعل ضدَّهم - من العامة، لا من السلطة فحسب، منذ عهد المتوكل - جارفاً.
3 - الاستعلاء الفكري لدى المعتزلة، فما كانوا ليأبهوا برضا العامة، أو سُخطهم فيما يعلنون وما يعتقدون: فلا شفاعة للنبي على الكبائر دون توبة، ولا ينفع الميت بعد موته دعاء الأهل، ولا استغفار الأحباب - وربَّما قراءة القرآن أيضاً - آراء كُلُّها تصدم وُجدان العامة وعواطفهم، فشفاعة النبي عن الكبائر تنطوي على تكريم الله لنبيه بأكثر مما تنطوي على مغفرة لفاعلي الكبائر، ومقام الموت يقتضي مراعاة مشاعر أهل الميت، لا أن يُعلن أن شيئاً من الدعاء لن ينفعه؛ لأنه بموته قد انتهى عمله.
ولقد نقم الناس على القاضي عبد الجبار أنه قال في حق الصاحب بن عباد عند موته وهو في نظر الناس ولي نعمته: أنا لا أترحم عليه؛ لأنَّه لم يُظهر توبته!، يقول الكتبي معلقاً: وطَعَنَ النَّاسُ عليه بذلك، وتعتوه مع كثر إحسان الصاحب عليه، ولا يشفع للقاضي عبد الجبار عند العامة أن يكون القاضي قد آثر نُصرة مبدئه في خُلُود فاعل الكبيرة في النار على
102