الفرق والمذاهب الإسلامية منذ البدايات
الجزء ١ · صفحة ١٠١طلب المغفرة للمحسن إليه، مع علمه بمجونه، ومجالس لهوه، ومشاركته في اغتصاب الأموال، ومصادرة الأملاك.
وحين أرسل المأمون كتبه إلى عُمَّاله بإيعاز من المعتزلة ينهى فيها عن الاعتقاد يقدم القُرآن، نُسبت هذه العقيدة إلى «السواد الأعظم من حشو الرّعيَّة وسَفَلَة العامة»، فكان هذا
هو موقف المعتزلة من العامة، وقد كان لهؤلاء دورهم في القضاء على المعتزلة فكراً وتُراثاً. والواقع؛ أنَّه ما كان يُمكن لعقول العامة أن تستسيغ آراء المعتزلة، بخلاف ما كان من معتقدات الحنابلة وآراء الأشاعرة، وربَّما أخطأ المعتزلة خطاً بالغاً في أن لا يلتمسوا أسباب تبسيط أصولهم للعامة، فضلاً عن الاستيلاء الفكري عليهم.
ومهما قيل في التماس أسباب نهاية أكبر حركة عقلية في حضارة الإسلام، فإنَّه يجب ألا يغيب عن البال أنَّ الأفكار كالأزهار، لا تعيش إلا في جو ملائم، ومن ثم؛ ازدهرت حركة الاعتزال في ربيع الفكر الإسلامي، وما إن أقبل الصيف حتى استرخت العقول عن أن تتبنى الرأي الجريء، فَدَوَت - بذلك - شجرة الاعتزال، لتحتضن بذوره حركة أشد قدرة على مقاومة حَرَّ الصيف، ثُمَّ أعاصير الشتاء، وأعني - بذلك ـ الزيدية.
ويمكن أن نحصر الملامح الرئيسية للفكر المعتزلي على النحو الآتي:
1 - النزعة العقلية: إذا تعرض ظاهر النَّص مع العقل فَإِنَّ المرجح هو العقل، فالله قد لطف بالنّاس، وهداها بالعقل وبالرسول والكتاب، ولكن يُعرف الرسول والكتاب
بالعقل، ولا يُعرف العقل بالرسول والكتاب، ذلك هو سندهم في ترجيح حُجَّة العقل.
في ضوء ذلك؛ عُرِفَتْ أُصُولهم الخمسة، بل في ضوء ذلك التزموا بما التزموا به من نظريات كاعتبارهم المعلوم - وإن لم يكن موجوداً - شيئاً، وفي ضوء ذلك أيضاً يرجع إليهم الفضل في نشأة علم الكلام، وفي تحديد موضوعاته، وأساليب الجدل فيه، أما على الصعيد الخارجي؛ فإليهم يرجع الفضل في الذود عن الإسلام بحجج العقل ضد المخالفين من أصحاب الديانات الأخرى، ومن الزنادقة.
103