الفرق والمذاهب الإسلامية منذ البدايات سعد رستم

الفرق والمذاهب الإسلامية منذ البدايات

الجزء ١ · صفحة ١٠٧

المخلصين يُعانقونه في الدنيا والآخرة إذا بلغوا في الرياضة والاجتهاد إلى حد الإخلاص والاتحاد المحض. وحكى الكعبي عن بعضهم أنه كان يجوز الرؤية في دار الدنيا، وأن يزوره، ويزورهم. وحكى عن داوود الجواربي أنه قال: اعفوني عن الفرج واللحية، واسألوني عما وراء

ذلك. وقال: إن معبوده جسم، ولحم ودم، وله جوارح وأعضاء من يد، ورجل ورأس، ولسان، وعينين، وأذنين، ومع ذلك؛ جسم لا كالأجسام، ولحم لا كاللحوم، ودم لا كالدماء، وكذلك سائر الصفات، وهو لا يُشبه شيئاً من المخلوقات، ولا يُشبهه شيء. وحكي عنه أنه قال: هو أجوف من أعلاه إلى صدره، مصمت ما سوى ذلك، وأنَّ له وفرة سوداء، وله شعر قطط. وأما ما وَرَدَ في التنزيل من الاستواء، والوجه واليدين والجنب، والمجيء، والإتيان، والفوقية، وغير ذلك، فأجروها على ظاهرها؛ أعني ما يفهم عند الإطلاق على الأجسام. وكذلك ما وَرَدَ في الأخبار من الصورة وغيرها في قوله عليه الصلاة والسلام: (خَلَقَ آدم على صورة الرحمن). وقوله: (حتَّى يضع الجَبَّارُ قَدَمَهُ في النار). وقوله: (قلب المؤمن بين أصبعين من أصابع الرحمن). وقوله: (خَمر طينة آدم بيده أربعين صباحا). وقوله: (وَضَعَ يده أو كفه على كتفي). وقوله: (حتَّى وجدت برد أنامله في صدري) إلى غير ذلك؛ أجروها على ما يتعارف في صفات الأجسام. وزادوا في الأخبار أكاذيب وضعوها ونسبوها إلى النبي عليه الصلاة والسلام، وأكثرها مقتبسة من اليهود، فإنَّ التشبيه فيهم طباع، حتّى قالوا: اشتكت عيناه، فعادته الملائكة، ويكي على طوفان نوح، حتّى رمدت عيناه، وأن العرش ليشط من تحته كأطيط الرحل الحديد، وإنه ليفضل من كل جانب أربع أصابع. وروى المشبهة عن النبي عليه الصلاة

والسلام أنه قال: (لقيني ربي، فصافحني، وكافحني، ووضع يده بين كتفي، حتى وجدتُ برد أنامله). وزادوا على التشبيه قولهم في القرآن: إنَّ الحروف والأصوات والرقوم المكتوبة قديمة أَزَليَّة. وقالوا: لا يُعقل كلام ليس بحروف، ولا كلم واستدلوا بأخبار، منها ما رووا عن النبي عليه الصلاة والسلام: (يُنادي الله - تعالى - يوم القيامة بصوت يسمعه الأولون

109