الفرق والمذاهب الإسلامية منذ البدايات
الجزء ١ · صفحة ٢٤في الناس، فلبثت بذلك ما شاء الله، حتى رأيت راجعة من الناس رجعت عن الإسلام، يدعون إلى محق دين محمد وملة إبراهيم فخشيت إن لم أنصر الإسلام وأهله أن أرى في الإسلام ثلما وهدماً، يكون مصيبته أعظم عليَّ من فوات ولاية أموركم التي إنَّما هي متاع أيَّام قلائل، ثُمَّ يزول ما كان منها كما يزول السراب، فبايعت أبا بكر عند ذلك (1) ونهضت في تلك الأحداث، حتّى زاغ الباطل، وزهق، وكانت كلمة الله هي العليا ولو رغم الكافرون، فصحبته مناصحاً، وأطعتُهُ فيما أطاع الله فيه جاهداً (2) فلما احتضر بعث إلى عمر، فولاه، فسمعنا وأطعنا وبايعنا وناصحنا. . . إلى آخر الكتاب.»
(3)
وهكذا تم تجاوز هذا الخلاف السياسي، ويقي المسلمون مجتمعاً واحداً متماسكاً رغم اختلافهم في الرأي السياسي، ولم يؤد ذلك الخلاف. في حينه - لا لانشقاق، ولا لنزاع، ولا لتفرق، ولا لظهور فرق أو مذاهب خاصة لها مساجدها الخاصة أو كتبها الدينية الخاصة، بل بقي المسلمون فرقة واحدة وأُمة واحدة. لكنَّه، رغم تجاوز هذا الخلاف عمليَّاً إلا أنَّه - حسبما تنقله عدد من المصادر التاريخية - بقي في الصدور والأذهان؛ حيث تنقل المصادر التاريخية ما يُفيد أنَّ علياً ونفراً من أصحابه بقوا على عقيدتهم في أنَّ عليا كان الأولى والأحق بمنصب خلافة محمد رغم بيعته لأبي بكر، ثُمَّ عُمر، ثُمَّ عُثمان، كما بقيت في صدر علي وآل النبي من بني هاشم حرقة وامتعاض عما اعتبروه استيلاء من الآخرين على ما كانوا يشعرون أنَّه حقهم المسلم، وإزاحة لهم عما كانوا يروه ميراثهم الشرعي، في وراثة قريبهم المصطفى طبقا للسنة المتأصلة في حياة القبائل والعشائر العربيَّة من خلافة أحد أبرز أبناء أو أقرباء الزعيم له، وكان هذا القريب البارز يتمثل - هنا - في علي بن أبي طالب بلا شك؛ حيث هو أقرب الناس قرابة للنّبي، كما تم شرحه، يُضاف إلى ذلك ـ تمتعه بتلك الخصائص والمرتبة والسابقة والأثر في الإسلام وفي نظر النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) التي لا يدانيها أحد،
ص
. (202.201
(1) وفي رواية الثقفي في " الغارات": فمشيت عند ذلك إلى أبي بكر، فبايعته. (الغارات: ج 1/ (2) وفي رواية الثقفي في " الغارات": فتولَّى أبو بكر تلك الأمور، فيسر، وسدد، وقارب، واقتصد، فصحبته مناصحاً، وأطعتُهُ فيما أطاع الله فيه جاهداً. . . (الغارات: 1/ 202)
(3) مستدرك نهج البلاغة للشيخ هادي كاشف الغطاء:
نهج البلاغة.
ص
120 - 119، (طبع لبنان)، وقارن بالرسالة رقم 62 من
25