الفرق والمذاهب الإسلامية منذ البدايات
الجزء ١ · صفحة ٢٥كما تم بيان بعضه. وكمثال على رسوخ هذا الاعتقاد القلبي في صدر على ما رواه الشريف الرضي في نهج البلاغة من قول علي في خطبة له لما عزموا على بيعة عُثمان: [لَقَدْ عَلِمْتُمْ أَنِّي أَحَقُّ النَّاسِ بِهَا مِنْ غَيْرِي؛ ووَاللَّهِ، لأَسْلِمَنَّ مَا سَلِمَتْ أُمُورُ الْمُسْلِمِينَ، وَلَمْ يَكُنْ فِيهَا جَوْرٌ إِلا عَلَيَّ خَاصَّةَ الْتِمَاساً لأَجْرِ ذَلِكَ وَفَضْلِهِ، وَزُهْدَا فِيمَا تَنَافَسَتُمُوهُ مِنْ زُخْرُفِهِ وزيرجه. .
وإنما ذكرت ذلك كله، ليُصبح القارئ في الصورة الكاملة للأرضية، والبذرة التي أنتجت فيما بعد ذلك الانقسام الكبير إلى فريقي الإسلام الرئيسيين ورافدي نهره الكبيرين؛ الشيعة والسنة، اللذين تَفَرَّعَتْ منهما - فيما بعد - كُلُّ الروافد الأخرى التي تمثل المذاهب والفرق الإسلامية الحية الباقية إلى يومنا هذا.
ومما يُؤكد أنَّ هذا الخلاف بدأ في أول أمره - كما أسلفنا - سياسياً اجتماعياً محضاً، ولم يكن دينياً بالمعنى الدقيق للكلمة، أنَّ أحداً من الفرقاء لم يدع - في بادئ الأمر ـ أن موقفه بشأن الخلافة هذا هو الدين الصحيح، وأمر الله - تعالى - القاطع الذي تفرضه النُّصوص القرآنية الصريحة أو الأوامر النبوية القاطعة، وما عداه هو الكفر والانحراف عن تعاليم الإسلام، بل كانت مواقفهم المتباينة في شأن الخلافة مستندة إلى الرأي والنَّظر؛ حيث استندوا في رأيهم حول مَنْ هُو الأولى بالخلافة وولاية أمر المسلمين، - كما تدلُّ استدلالاتهم واحتجاجاتهم، التي ذكرنا أعلاه نماذج منها إلى أنَّه الشخص الذي تتوفّر فيه أكثر من غيره الصفات التالية: أولاً: قُربه من النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) أو من قبيلته قريش.
وثانياً: سابقته في الإسلام وبلاؤه فيه.
الثالث: إمكانية خُضُوع مختلف القبائل العربية لقبيلته.
فكما رأينا، حتّى علي بن أبي طالب وأنصاره، لم يكن اعتراضهم على أصل مبدأ الشورى والبيعة كطريق لاختيار وتنصيب الحاكم الشرعي، بل كان اعتراضهم منصباً في
(1) نهج البلاغة: خُطبة 74، ص 102، الطبعة التي حققها د. صبحي الصالح.
26