الفرق والمذاهب الإسلامية منذ البدايات
الجزء ١ · صفحة ٢٨٥ابنه علي بن الحسين زين العابدين الإمامة. وكذلك حال إسماعيل بن جعفر الذي أورث الإمامة ولده محمداً.
إنَّ الحديث عن أئمة دور الستر شاق عسير؛ لأنَّ هذه المرحلة تنطوي على غموض شديد. ويندر العثور على مؤرّخ، من غير الإسماعيلية، اهتم بأمر هؤلاء في هذه الحقبة، وأما كتاب الإسماعيلية؛ فكانوا يتحدثون عنهم رمزاً من غير تصريح، ويُسمون إمامهم: إمام الزمان، بسبب التكتم الشديد الذي فَرَضَهُ الأئمة ونُوابهم وحججهم ودعاتهم عملاً بمبدأ التقية، وخوفاً من بطش أُولي الأمر في السلطة. وكثيراً ما كان الأئمة يتخذون أسماء مستعارة، ويتسمى بها نُوابهم ورؤساء دعاتهم، ويتفرقون في البلاد إمعاناً في التغطية، فلا يُعرف أيهم الإمام، ولا أين يقيم إلا قلة موثوقة. وكان الاتصال بالإمام لا يتم إلا عن طريق مَنْ ينوب عنه الذي سموه الحجة أو الحجاب، يليه في المرتبة رؤساء الدعاة المسؤولون عن الأقطار، وكان هؤلاء يُرسلون الدعاة الملحقين بهم، لنشر الدعوة في أرجاء البلاد، متخفّين في أزياء التجار والدراويش والمتصوفة ورجال الدين، ولكل داعية منهم أتباع متدرجون في المراتب والدرجات بتنظيم دقيق وترتيب محكم.
ظل أئمة الإسماعيلية مُستترين حتَّى ظهور عُبيد الله المهدي مؤسس الدولة العبيديَّة الفاطمية. وتوالى على منصب الإمامة في دور الستر - كما تتفق أكثر الروايات - أربعة أئمة. بيد أن هذه الروايات تختلف في ترتيب هؤلاء الأئمة وفي أسمائهم وتواريخ وفياتهم، وتَتَّفق كُلُّها على أنَّ أوَّلهم: محمد بن إسماعيل"، ووفاته بالأهواز سنة 193 هـ / 809 م.، وأنَّه أوصى بالإمامة من بعده لابنه وهو عبد الله الرضى (في أكثر المصادر)، الذي انتقل بالدعوة إلى بلدة سلمية في سورية، سنة 208 هـ، واتَّخَذَهَا دار هجرته، وشَرَعَ في تنظيم شؤون الدعوة بحذر شديد، وكان يدعو الأنصار والمستجيبين إلى " سلمية " لتدريبهم وتفقيههم في المذاهب حتى غصت البلدة بهم، وتحولت إلى مركز إشعاع ديني إسماعيلي المذهب. وتبغ من الدعاة نَفَر بلغوا أعلى المراتب في سُلَّم الرئاسة، وكان لهم شأن في نشر الدعوة، من جهة، وفي الانشقاقات الكثيرة التي حدثت بعد ذلك في جسم الحركة الإسماعيلية.
287