الفرق والمذاهب الإسلامية منذ البدايات سعد رستم

الفرق والمذاهب الإسلامية منذ البدايات

الجزء ١ · صفحة ٣٤٩

وجاء من بعده خليفته جوهر، فلم يختلف في عرضه للمسألة عن أستاذه للرشتي، فقد

أيد رأيه ورأي سلفه الإحسائي الأخير من القول بالجسمانية؛ لكنَّه لوح إلى روحانيته بصورة لا تخفى على اللبيب، فقد صرح بتوسط الجسد المثالي بين الجسد العنصري والروحي، وأنَّ المثالي يدخل يوم القيامة في العنصري الذي يقوم للحساب بعد ذهاب كثافته العارضة، ويبدو واضحاً أنه لم يستطع أن يكتم ما يعتقده.

المسألة الثانية: موضوع كيفية معراج النبي (صلى الله عليه وآله وسلم): هل أنَّه كان روحانيا أم جسمانيا وروحانيا؟ حيث ذهب الشيخ الإحسائي إلى كونه روحانيا، واعتقد بأن جسم النبي صلى الله عليه وسلم قد تلطف عند صعوده إلى عالم الكون، ولم يكن بهذا الجسد الكثيف، بل أنَّه ألقى في كُلِّ كُرة ما يُناسبها؛ فألقى تُرابه في التُّراب، وماءه في الماء، وهواءه في الهواء، وناره في النار، وأنَّه لما رجع أخذ من كُلِّ كُرة ما ألقى فيها؛ لأنَّ صُعُود عناصره يقتضي الخرق والالتئام في الأفلاك. وتراجع بعد ذلك، فناقض نفسه، وقال: إنَّه صعد بجسمه وعمامته وثيابه ونعليه، وأنه لا مانع من الخرق والالتئام، وأنَّ الله على كُلِّ شيء قدير.

وجاء من بعده خليفته كاظم الرشتي، فاقتفى أثره، وأكد أقواله وآراءه، وتحامل كذلك على من يقول بروحانية المعراج. وجاء من بعده خليفته جوهر، فأيد أقوال سلفه الرشتي، وبالغ، حتّى أساء الأدب بالنسبة لمقام الرَّبِّ، فزعم أن عرش الله تشرف بنعل رسوله! وجاء خليفته الشيخ مُوسَى الإسكوني، فَذَهَبَ إلى نُورانيَّة جسم الرسول (صلى الله عليه وآله وسلَّم)، وأنَّ عناصر جسمه ليست من تلك الكرات حتَّى يُلقيها فيها، وأنَّها خُلقت قبل خَلْق الكرات بآلاف الأعوام في الوقت الذي قال فيه سيدنا محمد (صلَّى الله عليه وآله وسلَّم كما حكاه عنه القُرآن الكريم: (قُلْ إِنَّمَا أَنَا بَشَرٌ مِثْلُكُمْ يُوحَى إِلَيَّ) [الكهف/ 110] فكيف نفي بشريته وأدميته وهو القائل: «كُلُّكُم لآدم وآدم من تُراب».

ولما جاءت نوبة خليفته وولده الشيخ علي الحائري أعاد أقوال مَنْ سَبَقَهُ، وكرر عبارة - أو جسارة - جوهر بلفظها. واستمرت مدرسة تبريز بعده في تقليد سلفها في هذه المسألة حتى اليوم. واختلفت مدرسة كرمان عن مدرسة تبريز في هذه المسألة فقد أكد رأس مدرستها الحاج محمد كريم خان رأي الإحسائي الأول الصريح بروحانية المعاد، لكنه لم يُصرح به

352