الفرق والمذاهب الإسلامية منذ البدايات
الجزء ١ · صفحة ٦٩كلمة أخيرة في هذا الباب
لا حظنا أن انقسام المسلمين لتلك الفرق الرئيسية الثلاث كان أساسه - في البداية - أسباباً سياسية اجتماعية أكثر منها أسباباً عقائدية إيمانية، وعلى الرغم من أنه حصلت بين المسلمين فيما بعد ـ اختلافات في كثير من القضايا العقائدية والإيمانية والفقهية والسلوكية، إلا أنَّ كُلَّ هذه لم تُؤد- في أغلبها - إلى نُشُوء فرق متواجهة ومتباعدة ومتعادية، كما أنشأت تلك الاختلافات السياسية، بل كان أتباع الفرق يتقبلون الاختلاف فيما بينهم بالفتوى والتفسير وحتى الاختلافات العقائدية، ويتسامحون فيها، أما ما لا يتسامحون فيه، ويقي أساس انشعاب الفرق الإسلامية المتباعدة المتنافرة، فهو مواقفهم المختلفة المتعلقة بموضوع الإمامة؛ أي الحكم والرئاسة) والحكم على مَنْ سَلف من الصحابة والخلفاء الراشدين في هذا الإطار، والموقف من تلاهم من الخلفاء، وتحول الانقسام السياسي، ليأخذ لباس الانقسام الديني بالمعنى العقائدي والفقهي للكلمة وأخذت تتشكل لدى كل فريق تفسيرات وعقائد وفتاوى ومُدونات حديثيَّة خاصة به، تنسجم مع موقفه السياسي، وتدعم آراءه، وكثر وضع الأحاديث النبوية المكذوية من أصحاب الأهواء من ضعاف الإيمان لدى كل فريق لتأييد مشرب أصحابه ومذهبهم السياسي المذكور.
(1)
وإذ وصلنا إلى هنا؛ فقد آن الأوان لننتقل لدراسة تطور هذه الفرق الرئيسية، وما حصل فيها من انقسامات داخلية جديدة، وما استقرت عليه عقائدها، وبقيت إلى
اليوم.
(1) وهنا نقول: إنَّه طالما أنَّ اختلاف المسلمين كان - بالأساس - سياسياً، وكان دينهم واعتقادهم واحداً، وقد مضت تلك الحقبة، ومضى معها أصحابها وخلفاؤها الذين وقع الاختلاف حولهم، ومضت معهم أسباب الاختلاف منذ قرون، وأكل عليها الدهر وشرب، فينبغي أن يرجع المسلمون إلى وحدتهم الأساسية، وينبذوا الطائفية والتفرق، ولا يجعلوا اختلافاتهم في بعض آرائهم الفقهية، أو تفسيراتهم العقائدية، سبباً لبقاء التمايز الطائفي؛ لأن مثل هذه الاختلافات في الفقه والتفسير تُوجد داخل كُل فرقة أيضاً، ولا يمنع من بقائها فرقة واحدة.
70