المغرب الأوسط في ظل صنهاجة
الجزء ١ · صفحة ٢١٤ولعله قد قال هذه الأبيات مدة مقامه ببجاية، وقد استوحش من استقراره بما قبل أن يتربع علي كرسي ولايته الصغيرة دلس. وقد أصبحت هذه المدينة بفضل عمل الأندلسيين الذين تقاطروا عليها، مركزا ثريا فكان فيها كما يقول الإدريسي: «الديار والقصور والمنتزهات وازدهرت الفلاحة حتى تمكن أهلها من أن يرسلوا من غلاتها إلى غيرها من المدن، وهذا الأمير وهؤلاء الاندلسيون قد جاؤا بثقافتهم وعوائدهم، وقد اتصلوا بأهل البلد فأثروا وتأثروا والهجرة الثالثة كانت من صقلية حيث تسلط عليها النورماند، فقد حينئذ المسلمون سلطانهم السياسي في تلك الربوع. لكن الملك روجر اظهر عقلا، راجحا رأى أن التسامح وحده هو الذي يكفل الحكم الصالح للجميع، وكانت الطبقة الارستقراطية التي تتمثل في أعيان الأئمة وطنية القوم من رجال العلم والفكر والصناعة، مؤلفة خاصة من المسلمين فبذل لهم حماية بصفة فعالة (1) وقد سلك خلفاؤه خطته، وقد قال الشوط: «لقد دام الرقي المادي العربي والحضارة الأدبية العربية أمدا حتي عصر فريدريك، ولكن البابا أخذ يستثير العامة ورجال الدين وأوربا كلها ضد هذا العاهل، فثارت ثورة
التعصب الكنيسي فأخذ رجال الكهنوت يمعنون في تتبع «الكفار» (2) والتنكيل بهم وإحراقهم ونال المسلمون من ذلك جانبا عظيما، فأصبح حينئذ المسلمون يغادرون جزيرة صقلية جماعات وأفرادا كلما وجدوا للخروج سبيلا. فلم يبق منهم هنالك إلا الأقل
(1) توفيق المدني: المسلمون في جزيرة صقلية ص 191
(2) الذين لا يتبعون المسيحية
209