عُمان: أرض البطولات ومقبرة الغزاة محمد خير حصرية

عمان أرض البطولات ومقبرة الغزاة لمحمد حصرية والسمان - موافق للمطبوع

الجزء ١ · صفحة ١٢٦

مسقط عن عمان عام 1719 م وجعلوها سلطنة وأقاموا عليها أحد الموالين لهم من آل تيمور باسم (سلطان مسقط).

ومن يرجع إلى تاريخ عمان، يجد أن أسلوب التجزئة كان وسيلة الإستعمار البريطاني للسيطرة على عمان - الساحل والداخل - فلقد عمد الإنكليز إلى تقطيع عمان وجعل أقسامها الساحلية إمارات ومشايخ منفصلة عن بعضها البعض وترتب على ذلك أن إنعزل القسم الداخلي عن عمان، بينما إستطاع الإنكليز أن يجعلوا من الأقسام العمانية التي سقطت من عمان قواعد عسكرية إستخدموها فيما بعد لغزو عمان الداخل - كما حصل عام 1955 م.

وخلال القرون التي إجتازتها عمان والحروب التي خاضها الشعب العربي هناك، لعب الأدب والشعر منه خاصة أهم وأكبر الأدوار في إذكاء حماسة الشعب وشحذ هممه وإلهاب عواطفه ومضاعفة مقاومته وبسالته في الذياد عن عروبة عمان. وما زال الشعب العربي في عمان يتغنى بإعتزاز وتقدير بالغتين بقصائد شعرائه الأفذاذ وفي مقدمتهم (أبو بكر أحمد بن سعيد وسليمان النبهاني وموسى بن الحسين وإبن شيخان وإبن عديم … وإلخ … ).

وفي تاريخ عمان صفحات مشرقة حفلت بأمجاد عربية رائعة إنعكست عليها طبيعة عمان العربية وتجسم فيها الطابع الحضاري للعرب في هذا الجزء من بلادهم ولولا العزلة التي عاشتها عمان خلال القرون الماضية وإنشغال شعبها بصد ومقاومة الغزوات الأجنبية لأستطاعت عمان أن تسهم بنصيب كبير في خدمة العروبة عن طريق الأدب ولكن لها اليوم دور فعال في المسيرة العربية نحو أهدافها الكبرى.

ولم يقتصر الأدب في عمان على الحماسة وإستثارة الشعب ضد المعتدين الغزاة، إنما طرق كل ناحية من نواحي الحياة، وعبر بصدق وأمانة عن واقع عمان السياسي والإقتصادي والإجتماعي وكان وما يزال - مرجعا تاريخيا يتناول مختلف المراحل والتطورات التي رافقت تاريخ عمان في مختلف الظروف.

ويغلب على الأدب في عمان طابع الفلسفة والدين ومرد ذلك إلى النظام الإجتماعي الذي ساد عمان في مختلف مراحلها التاريخية، على أن الأدب العماني حتى وهو ضمن إطاره الفلسفي والديني لم يقف عن مسايرة التطور الحضاري في تركيبه وأسلوبه وتعبيره إنما واكب روح العصر وتابع تطوراته ولم يختلف عن ذلك إلا من حيث إنصرافه في معظم الأحيان إلى الناحية النفسية معبرا في ذلك عن طموح الشعب العربي في عمان ومقتصرا على ظروفه السياسية الناشئة عن الغزوات الأجنبية التي تعرض لها والعدوان الإستعماري الذي إنصب عليه. والنقطة المهمة التي نرجو أن تستأثر بإهتمام أعضاء المؤتمر الكرام، هي أن الأدب العربي في عمان وإن إستطاع أن يغالب الزمن ويصمد للتيارات الإستعمارية ويظل في مستوى المهمة التي ألقيت عليه كوسيلة للحفاظ على عروبة عمان لم يسلم من غارات الشعوبية وسمومها ولم يبق في منأى عن الأساليب المعادية للأمة العربية.

فقد شجع الإستعمار بعد تجزئته عمان إلى أمارات ومشايخ، شجع الهجرة الأجنبية إلى أجزاء عمان وحارب التعليم في أكثر هذه الأجزاء وقاوم رجال الفكر والأدب بقسوة، فنشأ عن ذلك طغيان أجنبي شعوبي أصبح اليوم مصدر خطر لا على الأدب في عمان فحسب، بل على عروبة عمان بصورة عامة.

ولقد إستغل الشعوبيون هذه الفرصة فراحوا يبثون سمومهم في أجزاء وأقاليم عمان ويحاربون العربية لغة وتراثا، ويزرعون بذور التفسخ والإنحلال حيثما وجدوا إلى ذلك سبيلا.

ومؤتمر الأدباء العرب هو أجدر من يتولى دراسة هذه النقطة للوقوف على ما هناك من محاذير تهدد مستقبل الفكر العربي والحضارة العربية في عمان كلها.

ونقطة أخرى نرجو أن نسترعي إنتباه المؤتمرين الأفاضل إليها ونأمل أن تنال تقديرهم ما هي جديرا به، فلقد عمد الإستعمار من أجل تثبيت خطة التجزئة التي مزق بها عمان العربية إلى تسميات أراد بها إنتزاع إعتراف العرب بهذه التجزئة، ومن ذلك ما فعل بالنسبة لمسقط حيث سماها (سلطنة مسقط وعمان) أي أنه إعتبر مسقط هي الأصل وعمان ملحقة بها في حين أن مسقط ليست في واقعها وتاريخها إلا جزء من عمان شأنها شأن بقية الأجزاء التي أقتطعت من عمان.

١٢٦ / ١٨٤