الفتنة الثانية في عهد الخليفة يزيد بن معاوية
الجزء ١ · صفحة ٢١٧يحمي
تبدو هذه الرواية محيّرة نوعا ما فقد أبدى هانئ بن عروة امتعاضا ورفضا لقبول جوار مسلم بن عقيل عندما رآه واقفا على بابه وأعرب هانئ لمسلم بأنه حمله ما لا طاقة له لكنه به، مجبر بعد أن وثق به وطرق بابه ودخل بيته، على إجارته. ولا يتطابق هذا التصرف مع التقاليد والقيم القبلية التي أرسيت منذ فترة الجاهلية. فالجوار (?) ظاهرة انتروبولوجية هامة في المجتمع القبلي العربي. كما لا يتوافق تصرّف هانئ بن عروة مع القيم التي يجب أن يتحلى بها الشريف من حفاوة الاستقبال (بسط الوجه، وحُسن البشر) (?)، والنجدة وتوفير للضيافة. وهو بذلك الشخص الذي يستجير به من أي عنف مسلّط عليه ويدافع عنه ويحفظه، أي يؤمنه. فمن العار أن لا يجير رجل شخصا احتمى به، كما أنه من العار عليه أن لا يدافع عنه ويسلّمه لأعدائه. ولدينا مثال عن أهمية الجوار في ثورة حجر بن عدي الكندي فقد هرب. الأخير من مطاردة مذحج وهمدان له فالتجأ لمنزل رجل من بني حرب (?) يسمّى سليم بن يزيد. فأخذ الرّجل سيفه عندما سمع بقدوم المطاردين لحجر. ثم ذهب ليخرج إليهم، فبكت بناته. فسأله حجر عمّ سيفعل وأجابه الرجل أنه سيضربهم بالسيف دفاعا عن حجر. فاستنكر هذا الأخير فعل الرّجل خاصة أنه لم يفكر في مصير بناته. لكنّ الرّجل أجابه بكل ثقة وتصميم: إني والله ما أمُونُهنَّ، ولا رزقهن إلا على الحي الذي لا يموت؛ ولا أشتري العار بشيء أبدا، ولا تخرج من داري أسيرًا أبدا وأنا حي أملك قائم سيفي».
هذا
(?) ابن منظور، معجم مذکور، ج ?، ص 530 - ???: جاور بني فلان وفيهم مُجاورة وجوارًا: تحرم بجوارهم. أجار الرجل إجارة وجارةً، خفره. والجارُ: الذي أجرته من أن يظلمه ظالم. وكان سيد العشيرة إذا أجار عليها إنساناً لم يخفروه.
خفر الرجل وخَفَرَ به وعليه يَخْفِرُ خَفْرًا: اجاره ومنعه وأمنه، وكان له خفيرًا يمنعه. خفير القوم مجيرهم الذي يكونون في ضمانه ما داموا في بلاده. والخِفّارة: الدمام. (?) الطبري، مصدر مذكور، ج ?، ص 262.
(?) ابن حزم، مصدر مذکور، ص 174 بنو حرب من بني خُزيمة بن لُؤي؛ الطبري، مصدر مذكور، جه،
ص 262.
214