الجزء الأول
الجزء ١ · صفحة ٢٣٤المبادلات و الفضاءات الاقتصادية الداخلية
قسنطينة وبونة. ويمكن تفسيره بأهمية خصوصا فكريا مدن الداخل مثل تلمسان أو قسنطينة من جهة، وأيضا نظرا للخطر الذي تعرّض له الساحل بسبب القراصنة المسيحيين، حيث لم تكن الغارات قليلة. لا تسمح طبيعة هذه النصوص من رؤية ما آلت إليه الطرق التي ربطت في وصف الإدريسي بجاية ببلاد القبائل الصغرى
6
وبالمنافذ الصحراوية. رغم بقاء محور الزاب دون شك على أهميته الأولى كما تظهره مجهودات بجاية المستمرة للحفاظ على تحكمها في هذه المنطقة.
إن المشكلة التي تطرح نفسها هو معرفة ما إذا كانت هذه الشبكة من الطرق الداخلية صالحة ومضمونة للتنقل، أو بتعبير آخر هل استطاعت بجاية في أحسن ظروفها جلب ثروات البلاد الخلفية والجهات الجد بعيدة؟ والنصوص، بإجماع كبير، تندد بضرر العرب الرحل على الطرق وبسيادة انعدام الأمن. وتطرح تأويل المعطيات المتعلقة بالبدو الرحل إشكالا من جديد.
تعددت وتوافقت الإشارات الدالة على إحداث وصول الهلاليين لزيادة انتشار اللاأمن حول الطرقات. ومنذ بدايات حضورهم في إفريقية، تضاعفت الفتاوى التي أشارت إلى هذا المشكل، وعدد منها يتعلق خصوصا بإجبارية الحج إلى مكة. وسمحت البعض منها للحجاج بركوب البحر، حتى على متن مراكب الكفار، لأن الطريق البري لم يعد صالحا (43). وذهبت فتاوى أخرى في هذا السياق
(44)
إلى القول بإسقاط إجبارية الحج. من الناحية الكرونولوجية، ظهرت هذه الفتاوى بوضوح بعد وصول العرب الهلاليين إلى إفريقية ويربط ابن خلدون، عدة قرون بعد ذلك، بين وصول هذه الهجرات الجديدة وتنامي لا أمن الطرقات:
(43) فتوى السيوري (القيروان، توفي في 1067/ 460). تحليل في:
V. Lagardère، Histoire et société en Occident musulman au Moyen Age. Analyse du Mi'y?r d'al-Wan?ar?s?، Madrid، 1995، p. 27.
.29
(44) فتوى اللخمي (القيروان، توفي في 1085478). تحليل نفسه، ص)
233