الجزء الثالث
الجزء ٣ · صفحة ٢٥٨ذكر قصر جبرين
كان الإمام بلعرب بن سلطان قد بني فصر جبرين على ما قيل من صلب ماله في حياة والده، وتم بناؤه قبل موت والده بسنتين، هنا يعجب الإنسان وتأخذ الحيرة، بالمال الذي بنى به هذا القصر، أما لو كان بناء في حال إمامته لكان من المعقول أنه بناه بأموال الدولة، وذلك العهد الدولة نشيطة بالخراج الذي يأتيها من الممالك العديدة، حيث توسع نطاقها كما يعلم ذلك المؤرخون، أما كونه من ماله الخاص فمن أين هذا المال وأبوه حي ولم تعرف له تجارة؟ وأموال والده أموال الدولة، هذا من الإشكال الواضح الذي لا يستطاع إيضاحه، وكان هذا القصر كما موجود في غاية الروعة صنعة وضخامة وإبداعا، فإذا ألقى العاقل إليه نظرة يبقى حائرا في تصويره، والحال أنه من بدائع البناء، ومن مدهشات الأفكار في النظر الصحيح، فكان الإمام رحمه الله موضعا لجثته بعد مماته، إذ دفن فيه قرب النهر في مكان اتخذه الإمام مصلاه في خلوته، ولقد أطال الواصفون في وصفه، وأكثر الكاتبون القول فيه نظما ونثرا، وهو فوق الوصف.
وبالجملة هو دليل على عظة تلك الدولة وأشاع أيديها بالمال، ومعتبر لمن يأتي من نواح عديدة، وكم لآل يعرب في أيامهم تلك من عجائب، وإذا ذكرنا قلعة نزوى أو قصر الحزم أو الجيوش التي يخوض العالم في ستة وتسعين ألف عنان من الخيل، أو نظرنا إلى المدافع التي خلفتها تلك الدولة الطائرة الصيت، أو الأفلاج التي أجرتها بعمان، حتى هم صاحب الحزم أن يجعل عمان كجنتي مأرب، وأن يذهب الحاج من عمان بلا زاد إنها أحوال تسجل لعمان الشرف الباذخ، ولآل يعرب الهمم