مفدي زكرياء شاعر النضال والثورة: دراسة ونصوص محمد بن صالح ناصر

مفدي زكرياء شاعر النضال والثورة

الجزء ١ · صفحة ٤

إنه تجاوز بها حدود المغرب العربي لتصل الى القارئ في المشرق العربي من خلال جريدتين مصريتين مشهورتين هما (اللواء) و (الأخبار) وقد قدمها مصطفى كامل بجريدته (اللواء) باعجاب كبير على أنها نموذج للوطنية المتدفقة في حنايا أبناء المغرب العربي، وظل الشاب المتحمس ينشد قصيدته بنفسه على منبر نادي الحزب الحر الدستوري المرات العديدة مما دفع بالسطلة الاستعمارية الى اعتقاله مدة خمسة عشر يوما (8) عقابا له على جرأته الثورية وبذلك أصبح الشعر منذ الخطوة الأولى سبب محنة زكرياء، والايمان بالمجابهة العلنية طريقه الى المحن والآلام.

وبالعودة الى مضمون هذه القصيدة، تتضح لنا جليا هذه الروح الاسلامية القوية المتدفقة من كل بيت من أبياتها، إنها امتداد لهذا المنظور الاسلامي الذي كان سائدا لدى الحركات الإصلاحية والوطنية في بداية النهضة، فقد ابتلي أبناء المغرب العربي باحتلال لاتيني مسيحي ما فتى يطبق ضدهم سياسة عنصرية تسعى الى كبت المشاعر الاسلامية عن طريق العسكريين حينا، وعن طريق المبشرين حينا آخر، ومن ثم فإن الشاعر كان يرى في جهاد الريفيين ضد الاسبان امتدادا لجهاد المسلمين ضد الكفر،

وأن قتالهم ضد العدو المحتل إنما هو قتال بين الصليب المسيحي، والهلال الإسلامي.

ذلك ما دفع الشاعر الى التركيز على فكرة الشهادة في سبيل الله والوطن، والصمود المستميت لتحرير هذا الثرى الغالي الذي يضمخه الفاتحون المسلمون بدمائهم الزكية، وتغدو المعركة جهادا مقدسا يحمل رايته جبريل، ويبشر به محمد رسول الله لأنه علامة على نهضة المسلمين لاسترجاع حقهم المغتصب، ودليل على صحوة وطنية عارمة بد خمود دام سنين طويلة:

أجبريل هلل بآي الظفر وكبر، وخـ ورف بأجنحة النصر فو ق بني الريف حول القنـ

ورتل على الجيش ان تنصروا الله

وأبلغ

ينصركم ببلوغ الـ

الخبر المشتجر

ــل اللـ واء لهام الثر يا، وسر للأمام بتلك الزمر ـول البرية أح مد هادي الشريعة بادي البشر أن الهلال على أفق العز والمجد، بعد الأفول، ظهر (9)

وتتجلى الرؤية الاسلامية الشاملة في هذه القصيدة بالتذكير المستمر بالأبطال

،

الفاتحين الذين يضمخون ثرى هذا الوطن المقدس بدمائهم الطاهرة، ويحرص الشاعر

على ذكر أسمائهم واحدا واحدا عقبة بن نافع، حسان بن النعمان، طارق بن زياد، موسى بن نصير، ويضمن أبياته قولة «طارق» الاستبسالية المشهورة أمام جيش الفتح الأندلسي بعد أن أحرق السفن: (العدو أمامكم والبحر وراءكم فليس لكم والله الا الموت أو النصر) فكأن زكرياء يريد من بني الريف أن يكونوا مثل أجدادهم الذين قهروا أسبان الأمس حين فتحوا الأندلس، فليس من الصعب عليهم أن يحققوا الانتصار - وهم يدافعون عن أرضهم - على أسبان اليوم. وهو يقدر كل التقدير بأن الجهاد سيكون مريرا والحرب ضروسا، وطريق الحرية مليئا بالضحايا ولكن في سبيل الكرامة يهون كل صعب ويرخص كل غال

4

بني الريف من كان يهوى الحياة يهون عليه ركوب الخطر فعرش السعد لقوم، سوى فوق هام أخر ادة لا يبتنى نفوس، وسجن أسر

وبين البلاد و دستوره

الفخر الا على ضمر تلوح سنـ ابکها بالشرر

ولن يبلغ العز الا الذي على رشف كأس العـ ذاب صبر فحرية الشعب، صاح، دما وهل مهرها غير هام البشر فكونوا الفداء وكونوا الضحايا ليحي الهلال، ويبقى الأثر

(10) ....

من الواضح هنا أن الشاعر يستخدم الأسلوب التعريضي الذي يمكن الاطلاق عليه إياك أعني واسمعي يا جارة فما من شك في أنه حين وجه الخطاب الى أبناء الريف ويطلب منهم الجهاد البطولي، إنما يتوجه من خلال ذلك إلى أبناء الجزائر والمغرب العربي أيضا ليكونوا الفداء، وليكونوا الضحايا فقد كان المسلمون في المغرب الكبير يتلقون من اضطهاد الفرنسيين لهم، مالا يقل عن تلقي الريفيين من اضطهاد الأسبان. وذلك ما يفسر لنا مجيء الأبيات في شكل أبيات حكمية لا توجه الى شخص أو شعب بعينه بقدر ما يصح أن توجه الى كل من يتطابق حاله معها وقد كان الشعراء الجزائريون يستخدمون هذا الأسلوب في العشرينيات والثلاثينيات فرارا من أذى السلطة، وتحايلا للتفلت من قلم الرقابة والمستعمر الفرنسي شرس الطباع، إرهابي الحكم، يحاسب على الخاطرة والهمس، وذلك ما

-85 -

-84 -