مفدي زكرياء شاعر النضال والثورة: دراسة ونصوص محمد بن صالح ناصر

مفدي زكرياء شاعر النضال والثورة

الجزء ١ · صفحة ٥

جعل الشعراء يتحايلون في سبيل التعبير عن مشاعرهم وأفكارهم، بهذه الأساليب الرامزة.

وهكذا يتضح من خلال هذه التجربة التي هي باكورة أولى من بواكير الشاعر هذه الروح الثورية التي شحنت لغته الشعرية، وقد تمثلت في استخدام العبارات القوية، والإيقاع الموسيقي الحاد الذي اختار له بحر المتقارب) وهو بحر معروف بإيقاعه السريع الذي يلائم الموضوعات الحماسية ويقرب العمل الشعري عادة من التلحين والغناء، ولعل هذا الإيقاع هو الذي جعل الأمر يختلط على صاحب جريدة «لسان الشعب فقدم القصيدة للقراء على أنها «نشيد حماسي (11). ويحتل الحديث عن الإسلام منزلة مرموقة من شعر مفدي زكرياء ويمتزج بعمله الشعري هذا الإمتزاج الذي يكون المادة الشعرية. فاضافة الى المضامين والأفكار التي ينطلق في معالجتها من منظور اسلامي، نجد لغته الشعرية التي تستمد من الأجواء الاسلامية، وصوره الشعرية المقتبسة عن القرآن الكريم والتراث العربي الاسلامي كما أوضحنا ذلك في محله في هذا البحث …

ويلقانا زكرياء منذ مطلع حياته الشعرية في قصيدة طويلة يكرسها لوصف الواقع الاسلامي المرير وهي تعد من بواكير شعره الاستنهاضي، تحت عنوان «الاسلام يتكلم على غرار اللغة العربية تتكلم الحافظ ابراهيم فكما صور حافظ الواقع الذي آلت اليه اللغة العربية بعد عز، صور مفدي زكرياء ما آل اليه المسلمون من ذلة ومهانة بعد قوة واستظهار، وحتى يكون الأسلوب عاطفيا جياشا، مؤثرا في النفوس، أرسل الخطاب على لسان الاسلام نفسه الذي راح يستنهض أبناءه ويحثهم على الجهاد المقدس ليعيدوا «لأبيهم سالف مجده، ولكن بالعمل الجماعي المتضامن المبني على العلم، لأن محنة المسلمين جاءت من جهلهم اولا، ومن تفرقهم ثانيا، ومن

عبوديتهم ثالثا

بني لقد أن الكفاح فجددوا عزائم أحرار، وأنفاس أقيال وحلوا رحال العلم دوما فهذه مدارس عصر فاض فيكم بسلسال وكونوا رجالا لا يبالون أن يروا صروف الرزايا دون تحقيق آمال ودونكم جو السعـ ــادة إنما بلوغ أمانيكم بتحطيم أغلال … (12)

وعلى غرار منحاه في معالجاته الإسلامية نراه يركز على الوجه النضالي للإسلام ويبرز وجهه الجهادي أيام الفتوحات، وفي هذا إيحاء مقصود، وتلميح يتماشى مع مشاعر الجزائريين النفسية والاجتماعية، التي تمدهم بالقوة المعنوية والمادية لمواجهة الاستعمار الصليبي فقدمت دون المجد روحي وآمالي وأيقنت أن المجد سبل خطيرة تناثر أعناق، وتمزيق أوصال فما المجد الا جنة دون وصلها سوى القبة الزرقاء مطمح أمالي … (13) تدرعت بالعزم الصدوق فلم تكن إن الكلمات الواردة في النص السابق مثل المجد، والجنة، والقبة الزرقاء، ترمز الى الاستقلال والحرية، والسياق الشعري الذي وضعت فيه يدل دلالة واضحة على

ذلك

ظل مفدي زكرياء طوال الفترة الممتدة ما بين 1925 – 1932) يبحث عن التنظيم السياسي الذي يستجيب ورغائبه الوطنية، وما لبث أن وجد في منظمة طلاب شمال إفريقيا بغيته، فقد رأى في هذا التجمع الثقافي الطلابي نموذجا لوحدة العمل بين شعوب المغرب الكبير، ورأى في مؤتمرات الطلاب وما يجري فيها من نقاش، وعيا سياسيا واجتماعية دفعاه الى الانضمام للعمل ضمن صفوفهم، فشارك في أغلب المؤتمرات التي عقدوها في الثلاثينيات. وهكذا شارك في المؤتمر الذي عقدته جميعة الطلبة في الجزائر «بنادي الترقي» في شهر أوت من سنة 1932، فكان حاضرا كل أيامه، مسجلا أحداثه بشعره، متألقا بموافقه ومناقشاته، وفي هذا المؤتمر الذي حضره نخبة من أبناء المغرب الكبير – وهم خلاصة تطلعاته المستقبلية، وطليعة كفاحه - وأتته الفرصة ليصدح بمعتقده السياسي، ويعبر أمام تلك النخبة الواعية عن آماله العريضة في توحيد العمل السياسي في المغرب العربي، طريقا لتحريره وخطوة أولى في سبيل نهضته، لقد كانت الظروف السياسية والاجتماعية تؤهل فئة الطلاب المثقفين لتحمل أمانة الحفاظ على المقومات الأساسية لشعوب المغرب الكبير أمام الغزو الفكري الفرنسي الذي ظلت سلطاته تعمل جاهدة في اطار احتفالاتها بالعيد المائوي لاحتلال الجزائر.

وكان الوضع المتخلف الذي يتخبط فيه المغرب الكبير جهلا وافتراقا وضياعا

- 87

- 86 -