ثورة النساء في الإسلام
الجزء ١ · صفحة ١٤في حكم المؤكد، لكون التقاليد هناك تقضي بأن تبلغ حفلة الزفاف ذروتها عندما يتقدم أحد أفراد عائلة العريس من جمهور المدعوين ويلقي بخرقة ملوثة بالدم العذري دلالة على محافظة العروس على بكارتها. والويل لكريمة إذا لم تتقيد بهذه القاعدة فإن صراخها وتوسلها وتهديدها لن يجديها فتيلا إزاء والدها او همها او حتى إزاء هاشم نفسه. أما الآن فهي واثقة بعد كل الذي حدث بأن زواجها البغيض لن يتم
كان موعد رحيلي قد حان وقد فكرت حيناً بانتظار والد كريمة لأثنيه عن عزمه أو أقنعه بعاقبة تصرفه ولكن حذري وخبرتي عن افريقيا جعلتني أتخلى عن عزمي هذا. لم أر الفتاة أبداً فيما بعد بالرغم من رغبتي في ذلك. كان كل شيء معداً للرحيل في صباح اليوم الأول من أيار، فجهز هاشم جملين بمساعدة بعض الرجال الذين كان عليهم مرافقتي الى أول مركز للفرقة الأجنبية حيث أستقل سيارة (الجيب، متوجهاً نحو تصوان، وملئت الكوفية بالثمار والخبز المصنوع من الشعير والزيت وهو مرطب ومغذي في آن واحد. اعتليت ظهر أكبر الجملين وأنا أرتدي قبعتي وأحمل كيساً في عنقي وابتعدت بخطى وئيدة عن بيت هاشم. كنت بين الحين والآخر ألقي نظرة على باحة المنزل، يحدوني أمل مستحيل برؤية كريمة علها تظهر بقدرة خفية. كانت الحركة قد دبت في الأسواق فامتلأت بالبغال والجمال والكلاب والشحاذين والكتبة وأصحاب الحوانيت وصبية الأزقة. وما لبثت أسوار الحي أن حجبت عن ناظري كل مشهد. وأخذ الجملان
يقطعان بي الوديان العارية بسرعة متزايدة بينما تحول الدوار الى. نقطة صفراء باهتة على قاع جبال الريف الكلسية. وهكذا انتهت مغامرتي العاطفية مع كريمة، الفتاة ذات البرقع .. بعد انقضاء شهر على وصولي الى طنجة جاءني هاشم مرتدياً قميصاً حريرياً أنيقاً على الطريقة الأوربية ومعتمراً طربوشاً أحمر وكان يبدو كثيباً منكمش الأسارير. كنت قد استيقظت قبل برهة وجيزة وجلست أستمتع بنسيم البحر العابق، فرجوته لدى وصوله ان يجلس على المقعد الوحيد في الغرفة ريثما أنتهي من ارتداء ملابسي. وما كاد يجلس حتى ابتدرني متوسلا: «يا سيدي ان الله يعلم بواطن الأمور وليس بوسعك أن تكذب علي فاذا قلت لي الحقيقة أنقذتك فتجمدت موسى الحلاقة في يدي ووقفت جزعاً عاجزاً عن تصديق أذني. نظرت الى هاشم في المرآة وقلت
له: «ما الذي أصابك؟ هل سرق لك جمل من الجمال؟» فأجابني بنبرات رتيبة يتقنها الشرقيون: «إن بكارة كريمة قد فضت يا سيدي و كشفت البائسة عن وجهها لعيون غريبة، وسلمت عذريتها لرجل أجنبي: هكذا قال الشيخ، والله يعلم أن الشيخ لا يكذب. إن كريمة قد استسلمت لك يا سيدي في الدوار وسال دمها العذري الذي هو من حق زوجها على البساط الدنس!» فأجبته بـ «نعم» فيها الكثير من الحنق والتهجم مستهجناً تطبيق تقاليد غريبة عن تقاليدي وطبعي. ولماذا أخفي اجتماعي الى تلك التي لم يحاول أحد فهمها واستماعي الى ندائها الذي لم يصف إليه أحد؟ ولكن للأسف الشديد علمت من هاشم أن
27
26