شاعر الثورة الجزائرية
الجزء ١ · صفحة ٢٤مفدي زكريا.
لا تَشْغَلِينا بأثواب وأرغفة
أهدافنا المجد، ليس الخبرُ والخِرَقُ
فكم قطعت عهودًا أصبحت حلما
حتى غدونا بغير الحرب لا نيق
حقوقنا بدم الأحرار نكتبها
لا الحبر أصبح يَعْنِينا ولا الورَقُ
لا تَطْمَعِى النصر من جُنْدِ سماسرة
قصائد فى ظلمات السجون:
أيحرز النصر مأجور ومُرْتَزِقُ؟!
توالت القصائد التى نَظَمَها مفدى زكريا بين قضبان السجون حتى بلغ
مفدى زكريا
وهو مواصلة حرب التحرير. ومنذ مطلع القصيدة تبدو هذه الدعوة جلية،
إذ يقول الشاعر: نَطَقَ الرصاص فما يُباحُ كلام
وجَرى القصاصُ فَمَا يُتاحَ مَلامُ!
وكان أبو تمام قد طرق هذا المعنى من قبل، وذلك في قصيدته عن معركة. عَمُورية التي خاضها الخليفة العباسي المعتصم بالله (1) ومطلعها: السيف أصدق أنباء من الكتب
في حده الحَدُّ بين الجد واللَّعِب (2)
بيضُ الصَّفائح لا سودُ الصَّحائِف في
متونهن جلاءُ الشَّكُ والرِّيَبِ (3) فتأثر مفدي زكريا بهذه القصيدة، واقتبس منها كما يبدو في هذين
السيفُ أَصْدَقُ لهجةً من أَحْرُفٍ
عددها ثلاث عشرة قصيدة، ومنها قصيدته) وتعطلت لغة الكلام) (1)، البيتين: إذ أوحى إليه بها وهو في سجن «بربروس» بمناسبة خذلان الأمم المتحدة في دورتها الثالثة عشرة سنة 1957 للشعب الجزائرى وقضيته العادلة، مما حَدَا به إلى الاعتماد على الكفاح المسلح كسبيل وحيد للتحرر، وعدم الاعتداد بقرارات الأمم المتحدة وتوصياته، سواء أكانت مؤيدة للحق أو منكرة له، أوساكتة عنه. وقد عبر «مُفَدَّى» فى عنوان قصيدته وفي مضمونها عن هذا المعنى، وهو عدم جدوى ما يدور من محادثات ومداولات في أروقة المنظمة الدولية، فكلها كلمات جوفاء، وقد انقضى العهد بها وحان وقت الفعل.
(1) هذا العنوان مقتبس من قول شوقى فى قصيدة (يا جارة الوادى) إذ يقول: وتعطلت لغة الكلام وخاطبت عينيَّ في لغة الهوى عيناكِ
وهناك شواهد كثيرة على تأثر مفدى بشعر شوقى
6
كُتبتْ وكان بيانها الإبهام
إن الصحائف للصفائح أَمْرُها
والحير حرب والكلام كلام
(1) يروى أن هذا الخليفة قد علم باستغاثة امرأة عربية به حين صاحت (وَامُعْتَصِماه) بعد أن عبث بملابسها جندى من الروم، فهب على رأس جيشه لتلبيتها، فكانت الحرب التي انتصر فيها العرب
على الرومان
(2) الأنباء: جمع نبأ وهو الخبر، وقد حكوا أن المنجمين كانوا حذروا المعتصم من فتح مدينة (عمورية) في هذا الأوان، وقالوا: إنا نجد فى الكتب أنها لا تُفتح إلا فى وقت نُضج التين والعنب، فلم يسمع
الخليفة لقولهم.
(3) بيض الصفائح: السيوف. سود الصحائف: الصفحات المكتوبة. الريب: الشكوك والظنون.
49
48