مفدي زكريا شاعر الثورة الجزائرية حسن فتح الباب

شاعر الثورة الجزائرية

الجزء ١ · صفحة ٢٣

مفدي زكريا.

فَلْتُصْغِ إلى غناء الشاعر لوطنه: يا لائمي في هَوَاهَا إنها قَبَسٌ

بنت الجزائر أهوى فيك طلعتها

أُحِبُّها مِثْلَ حُبِّ اللهِ أعبدُها

قلب العروبة لم يعصف بِنَخْوَتِهَا

من الجزائر والأمثال تنطبق (1)

فكلُّ ما فيك من أوصافها خُلُق (2)

ا مفدي زكريا.

الحياة، فكان لابد للقيد أن ينكسر - كما يقول أبو القاسم الشابي - وضَحى بأعز الأبناء، لأنه يعلم أن للحرية الحمراء بابًا، بكل يد مضرجة يدق ـ كما يقول شوقى أمير الشعراء - أما مفدي زكريا فهو يقول:

نادى المنادى إلى التحرير يدفعها

فَاسْتَصْرَخَتْ من قيود الحَجْرِ تنعتق (1)

ثارت على الظلم مثل السيل جارفة

فلا الفيالق تثنيها ولا الفَرَقُ

آمنتُ باللهِ لا كُفْرٌ ولا نَزَق (3)

جيش إلى النصر تحدوه ملائكة

عَسْفٌ ولا نال من إيمانِها رَهَقُ (4)

6

ويتصاعد النغم أَخَاذَا متدفقا إذ يتطرق الشاعر إلى الحدث العظيم. وهو ثورة التحرير التي كانت حلا ثم أضحت حقيقة فاقت بروعتها الأساطير، إذ ضحى شعبها - ولم يكن يزيد عدده على ستة ملايين نسمة - بمليون ونصف مليون من الأنفس التي سالت دماؤها الزكية على مذبح الحرية فداءً للأرض والعرض والعقيدة والكرامة.

مُسَوَّمُونَ بموج الموتِ يَنْدَفِق (2)

والشعب يسبَحُ لِلْعَلْيَا عَلَى دَمِهِ

وللتبرع بالأرواح يَسْتَبِقُ

لم يُثْنِه دونَ إدراكِ المُنَى رَهَق

وإنْ هُم أُحرقوا بالنار أو شنقوا

ويخاطب فرنسا المستعمرة مُفَنَّدًا دعوتها إلى إلقاء الجزائريين السلاح ووقف

تلك هي المعاني التي طاف حولها الشاعر وبرقت في قريحته، فحوَّلها إلى الحرب في مقابل مدهم بها يحتاجون إليه من أقوات، ومكذبا وعودها البراقة قطرات من دمه، وخفقات من قلبه، ولآلئ من شعره الصداح المتوهج، مجد بها الأبطال، وخَلَّد الشهداء، وحَصَبَ بها وجوه الأعداء الذين عجزت الخادعة بمنح الشعب بعض حقوقه إذا تخلى عن المجاهدين: أحدث أنواع الأسلحة الفتاكة التى حشدوها عن قهر عزيمة شعب أراد

(1) هواها: هوى سلوى حبيبة الشاعر. قبس: شعلة من نار، والمقصود هنا شعلة من نور. (2) الخلق: الطبيعة والسجية، أى الصفة التي تُخلق مع الإنسان.

(3) النزق: الخفة والطيش. (4) الرهق: التعب أو الظلم.

وَضْعُ السلاح أحاديثُ مُلَفَّقَةٌ

خُرَافَةٌ صَاغَهَا لِلْكَيْدِ مُخْتَلِقُ

(1) الحَجْر: المنع من التصرف.

(2) مُسَوَّمُون: ذوو علامات تميزهم، والصورة والتعبير مقتبسان من القرآن الكريم.

47

46