النظم الاجتماعية والتربوية عند الإباضية في إفريقية في مرحلة الكتمان عوض محمد خليفات [دارس عن الإباضية]

النظم الاجتماعية والتربوية عند الإباضية

الجزء ١ · صفحة ١٥

فيهم أبو عبد الله خيراً. وكان يرجو منهم العون والمساعدة ويقول: «ان ههنا في أريغ الأحيان يقيمون هذه الحلقات في اماكن سرية بعيدة عن الناس، أو في سراديب تحت أناسا رقاق القلوب أرجو ان ينتجع فيهم الاسلام ويتلقوا ما نحن عليه بالقبول ويكونوا لهذا الأرض أعدت لهذا الغرض (42). وفي الفترة التي نحن بصدد الحديث عنها كان أصحاب الحلقة يجلسون في مقرهم السري على هيئة حلقة حول شيخهم طبقا لقواعد وتقاليد خاصة

الخير أهلا) (39)

عندما أتمّ أبو عبد الله وضع قواعد وتقاليد الحلقة أمر أصحابه بالرحيل الى بلاد سوف نفصل الحديث فيها في الصفحات اللاحقة. ولذا اطلق على اجتماعهم اسم أريغ. وطلب من بعض أعوانه في تلك المنطقة أن يهيئوا له مكانا سريا ليتخذه مستقرا الحلقة، وعلى نظامها اسم سيرة أو سير الحلقة

لحلقته. وقام الاباضية هناك بزعامة الشيخ أبي القاسم يونس بن ويزكن الوليلي باعداد غار سري في تينبسلي غير بعيد من أريغ، على بعد 20 كم جنوب بلدة تقرت شرقي الجزائر وأصبح هذا الغار أول مقر لحلقة العزابة التي أنشأها أبو عبد الله محمد بن بكر عام 409 الغار التسعي أو التسعر نسبة الى تلك السنة (40)

هـ. ولذلك سمي

وتسمي المصادر الاباضية النظام الذي وضعه أبو عبد الله باسم نظام الحلقة أو سير الحلقة أو نظام العزابة. وسبب تسميته بنظام الحلقة هو ان الشيخ وزملاءه وتلاميذه يجلسون في مقرهم السري على شكل دائرة أو حلقة (41). والواقع ان الجلوس على هيئة. حلقة أو دائرة لم يكن بدعة اباضية، بل كان تقليدا معروفا عند العرب منذ العصر الجاهلي، حيث كان الرجال يجتمعون في مجلس شيخ القبيلة على شكل حلقة يتوسطها الشيخ ويليه عن يمينه وشماله وجهاء القبيلة وسراتها. وبعد ظهور الاسلام بقي هذا الاستعمال موجوداً، واتسع ليشمل حلقات الدرس في المساجد ودور الكتاب حيث كان الرجال والتلاميذ يتحلقون حول الشيخ أو المعلم لسماع الدرس الديني أو ما شابه ذلك. وكانت الجوامع الكبيرة تغص احيانا بحلقات الدرس المختلفة. ونقل الاباضية هذا التقليد الى مجالسهم السرية في بداية تنظيم حركتهم في البصرة. وكانوا يتحلقون حول الشيخ بشكل محكم لكي يكون صوت الشيخ مسموعا فلا يضطر الشيخ أو

المتكلم منهم لرفع صوته، حتى لا يسمع كلامهم المارة أو الجيران، فينكشف أمرهم

،

ويقبض عليهم أعداؤهم من الولاة والحكام. وامعانا في السرية، فقد كانوا في كثير من

(39) الدرجيني، ج 1، ص 170.

(40) المصدر نفسه، ص 170، فرحات الجعبيري، ص 36

T. Lewicki، "Halka"، E.I(2)، Vol. 3،

) 41) الدرجيني، ج 1، ص 4، أبو عمار عبد الكافي، رسالة العزابة، ص 2 وما بعدها.

ولما كان الشيخ وأصحابه يجتمعون في مكان سري بعيد عن المدن والتجمعات السكانية فقد أطلق عليهم اسم هيئة العزابة. ولم تلبث ان اطلقت العبارة على عدد محدود من المشايخ لهم السلطة الكاملة على تلاميذهم وعلى بقية أفراد الاباضية في مناطقهم وكلمة عزابة مشتقة من العزوب: أي العزلة والانفراد والابتعاد. ولكنها اكتسبت في التاريخ الاباضي معنى فنيا خاصا يقصد به الانقطاع والبعد عن ملذات الحياة الدنيا وزخرفها، والانصراف لخدمة اتباع المذهب الاباضي دون أجر (43). وتطلق هيئة العزابة. أو مجلس العزابة على مجموعة من الأشخاص يترواح عددها بين اثني عشر شخصا وأربعة وعشرين شخصا. ويفترض فيهم أن يكونوا مشهورين بالعلم الغزيز والورع والتقوى وتقوم هذه الهيئة بالاشراف على جميع شؤون المجتمع الاباضي في المكان الذي توجد فيه. وهذه الهيئة تمثل الامام في مرحلة الكتمان وتقوم بجميع مهامه. واذا تعرض الاباضية لعدوان فان مجلس العزابة يقوم مقام امام الدفاع حيث يتولى قيادة الاباضيين في الجهاد ضد أعدائهم. أما اذا كان الاباضية في طور الظهور - وهذا لم يحدث في شمال افريقية منذ سقوط الدولة الرستمية في اواخر القرن الثالث الهجري - فان أفراد العزابة يكونون بمثابة هيئة استشارية للامام (44)

108

) 42 (انظر عن المجالس السرية التي كان يعقدها الاباضية الاوائل كتابنا، نشأة الحركة الاباضية، ص 106 - (43) الدرجيني، ج 1، ص 3. (

) 44) الدرجيني، ج 1، ص 3، أبو عمار عبد الكافي، رسالة العزابة، ص 1 وما بعدها، علي يحيى، 1 معمر، الاباضية في موكب التاريخ، الحلقة الاولى، ص 97

27

-

26 -