النظم الاجتماعية والتربوية عند الإباضية في إفريقية في مرحلة الكتمان عوض محمد خليفات [دارس عن الإباضية]

النظم الاجتماعية والتربوية عند الإباضية

الجزء ١ · صفحة ١٤

الذكر. وتنقل أبو نوح في أرجاء أخرى من بلاد المغرب وقضى آخر حياته في زويلة (31)

تلميذاً لأبي خزر السالف الذكر (34). كما قرأ أبو عبد الله على الشيخ أبي نوح سعيد بن ولا تحدثنا المصادر عن تفصيلات نظام حلقة أبي نوح، ولكن يبدو أنه أدخل بعض زنغيل (35). وقد بقي ملازما لأبي نوح حتى توفي الأخير. فانتقل أبو عبد الله الى القيروان

الاضافات على تقاليد حلقة أبي القاسم، والدليل على ذلك، استعماله لبعض التعابير والمصطلحات التي لم تعرف من قبل - والتي أصبحت من مقومات نظام الحلقة التي أسسها أبو عبد الله محمد بن بكر - مثل ختمة الغداة وختمة العشاء (32)

ليدرس اللغة العربية والنحو، ويبدو انه بقي هناك مدة طويلة يلازم شيوخ اللغة وأهل النحو والبلاغة حتى اتقن العربية وفنونها، وأصبح قادرا على التعمق في علوم القرآن وتفسيره وتدبر معانيه. ثم انتقل بعد ذلك الى الحامة في بلاد الجريد ليستزيد من علم أن الاباضية بقوا طيلة القرن الرابع الهجري يقيمون المجالس وحلقات الفروع على يدي الشيخ أبي عمران موسى بن زكريا. ولما وصل تقيوس ادركه بعض الطلبة الدرس ويجتهد مشايخهم في وضع قواعد ونظم خاصة للحلقة الاباضية ولكنهم لم يتوصلوا ومن بينهم زكريا ويونس ولدى شيخه فصيل - والتمسوا منه أن يقعد للتدريس وان يرتب الى وضع نظام متكامل يأخذ به الجميع في مختلف مناطق تجمعهم في الشمال الافريقي لهم الحلقة (36). وتزعم المصادر الاباضية أن أبا عبد الله قد رفض هذا الطلب في بداية الامر متذرعا بعدم قدرته على القيام بهذه المهمة الشاقة (37). ويبدو لي أن أبا عبد الله لم وفي العقد الأول من القرن الخامس الهجري استطاع أحد شيوخهم النابهين وهو أبو عبد

ويبدو

يمتنع عن القيام بمثل هذه المهمة ولم يرفض التماس أصحابه. وعلى العكس من ذلك فقد

الله محمد بن ن بكر، بأن يضع نظاما متكاملا دقيقا للحلقة وهو ما عرف بسير الحلقة أو نظام كان متحمسا لهذا العمل دائب التفكير فيه، لأن فيه انقاذا لمذهبه: عقيدة وتراثا وجماعة العزابة. وأصبح هذا النظام معمولا به منذ ذلك الوقت - مع تعديلات طفيفة غير مخلة

عند الاباضية في جميع أنحاء بلاد المغرب. ولا يزال مستعملا في منطقة ميزاب في الجزائر بينما اندثر في المناطق الاباضية الأخرى مثل جربة وجبل نفوسة

-

أما واضع هذا النظام، أبو عبد الله محمد بن بكر فقد ولد في جبل نفوسه في تاريخ لا تحدده المصادر المتوافرة بدقة. ولكننا نعرف أنه رتب حلقته عام 409 هـ بعد ان انهى دراسته وأصبح عالماً مشهوراً تشد اليه رحال العلماء الاباضية، من كافة انحاء المغرب وبناء على ذلك فنرجح أن يكون مولده في النصف الثاني من القرن الرابع الهجري. وتصمت المصادر ايضا عن الحديث حول طفولته وحياته الاولى في جبل نفوسه. وأول معلومات واضحة عنه تذكرها المصادر، عندما انتقل من جبل نفوسة الى جربة ليأخذ العلم عن الشيخ أبي زكريا فصيل بن أبي مسور بن وجين اليراسيني (33). وكان الأخير

(31) عن أبي خزر وأبي نوح انظر: الدرجيني، ج 1، ص 119 - 157 (32 (الختمة تعني اجتماع تلاميذ الحلقة لتلاوة شيء من القرآن الكريم والدعاء. ويتم هذا الاجتماع عند طلوع

الشمس وعند غروبها. حول مزيد من التفاصيل انظر القسم الثاني من هذا الكتاب

) 33 (عن أبي زكريا ووالده أبي مسور انظر الدرجيني، ج 1، ص 157 وما بعدها

ولكنه في الوقت نفسه كان يطلب الصبر والتريث حتى لا تخرج لا تخرج به العجلة عن جادة الصواب وحتى يتخذ الخطوات اللازمة الضرورية التي تكفل لعمله النجاح والقبول والاستمرار. لذلك فقد طلب من سائليه أن يمكثوا معه أربعة أشهر دون أن يسألوه في مسألة أو يعرضوا له في مشكلة. وأن يتركوه وشأنه حتى تتاح له الفرصة للتفكير العميق وحتى يتسنى له وضع اللوائح والقوانين الخاصة التي تضمن لعمله النجاح، ولأصحابه الأمن والطمأنينة. وذلك عن طريق اختيار المكان الملائم لاتخاذه مقراً لحلقته التي أرادها أن تكون ممثلة لامام الكتمان في كل واجباته ومهماته (38). وقد وقع اختيار أبي عبد الله على بلاد أريغ نظراً لبعدها عن مراكز السلطة المعادية، ولأن فيها عددا من الاباضية المخلصين. بالاضافة الى ذلك فقد كان يسكنها افراد قبيلة مغراوة البربرية الذين توسم) 34) الدرجيني، ج 1، ص 160) 35) الدرجيني، ج 1، ص 167، محمد بن زكريا الباروني، نسبة دين المسلمين، ملحق سير الشماخي 1،

ص 582

) 36) الدرجيني، ج 1، ص 168 - 169، انظر الوسياني أيضا، سير، ص 31 - 32) 37) الدرجيني، ج 1، ص 169

) 38) الدرجيني، ج 1، ص 169

- Yo-

- 24 -