النظم الاجتماعية والتربوية عند الإباضية
الجزء ١ · صفحة ٣٢ان هذه القسوة في العقاب والتوبيخ التي استخدمها العزابة والتطبيق الصارم لمبدأ
البراءة من المذنب هما اللذان حفظا وحدة الاباضية وتماسكهم بل وبقائهم في بعض مناطق
ويصف لنا الشيخ محمد علي دبوز - أحد أبناء ميزاب حيث تطبق هذه العقوبات في بلاده الى وقت قريب - البراءة والتوبه بأسلوب حي وبقلم شاهد عيان ويقول: «بعد الصلاة الجامعة التي يمتلئ فيها المسجد بالناس، يقف شيخ المسجد فيعلن البراءة من شمال افريقية الى يومنا هذا. المذنب، ويسميه، ويبين جريمته فتقاطعه المدينة كلها، لا تكلمه ولا تتعامل معه، ولا تزوجه. واذا كان تاجرا لا تشتري منه، واذا كان أجيرا لا تستخدمه. ولا يدعونه الى مجالسهم، واذا دعاهم لا يجيبون، ولا يسلمون عليه، ولا يردون على سلامه. ولا يحضرون أفراحه وأتراحه، ولا يعينونه بشيء اذا حلت به كارثه، ولا يقبلون صدقته اذا جمعت الصدقات لمشروع خيري ولا يغسله العزابة اذا مات، ولا يمشي الناس في جنازته فتقاطعه عشيرته وأهله والمدينة كلها. واذا هرب الى مدينة اخرى في ميزاب يخبر عزابة بلده عزابة تلك المدينة فيعلنون في مسجدهم انه في البراءة، فيقاطعه المزابيون كلهم في تلك المدينة، ويخبرون أصدقائهم من اهل الشمال، ممن يتمسك بالدين [أي المذهب الأباضي] ويفهم هذه القاعدة الاسلامية، قاعدة البراءة، انه في البراءة .... ومن اتصل به أو كلمه كلاما يدل على عدم مبالاته بحكم العزابة يلحق به» (107)
V)
أما اذا قرر المذنب التوبة فانه يذهب الى المسجد في اوقات الصلوات الجامعة اذا كان المسجد غاصا بالناس فيجلس تحت سارية فيردد في صوت يسمعه العزابة ويسمعه كل الناس: تبت لله وللمسلمين. وتستمر توبته على حسب ذنبه يومين أو ثلاثة أيام أو أسبوع، وهو يتوب في كل يوم في اوقات الصلوات الخمس. واذا قرر العزابة العفو عنه،
وقف شيخ المسجد في المسجد الممتليء فيقول: من التائب؟ فيقول المذنب: فلان
فيسأل الشيخ: ماذا فعلت حتى تبرأ منك المسلمون؟ فيقر بذنبه ويؤكد توبته. فيوبخه شيخ المسجد ويقرعه، ويبين له شرور ذنبه عليه وعلى المجتمع ويعظه وعظا بليغا فيقول: قم قد عفونا عنك! (108)
وحتى ينشأ الشخص الاباضي نشأة دينية خالصة تجعله يحافظ على مذهبه ويحترم قرارات مجلس العزابة، ويحترم شيوخه وأهل دعوته، فقد أولى رجال العزابة التعليم اهتماما خاصا، ورتبوا له الحلقات بحيث لا يصل الشخص الى سن البلوغ الا وقد تعمقت في ذهنه وقلبه مبادئ المذهب الاباضي وتعاليمه، ويصعب عليه التنكر لها، أو الخروج على القائمين على تطبيقها. وحتى نعطي صورة واضحة لهذا النظام التربوي الفريد فسوف نفصل الحديث عنه في الصفحات التالية معتمدين على المصادر والمراجع الاباضية، وهي وحدها التي تمدنا بمعلومات شاملة عن هذا الموضوع
- 11.
-
See also Motylinski، Op. cit، 23 ff.
-1.
(107) محمد علي دبوز، نهضة، ج 1، ص 209 - 210) 108) المصدر نفسة، ص 111،