النظم الاجتماعية والتربوية عند الإباضية في إفريقية في مرحلة الكتمان عوض محمد خليفات [دارس عن الإباضية]

النظم الاجتماعية والتربوية عند الإباضية

الجزء ١ · صفحة ٤٥

الحلقة في بيته من

ماله الخاص وكان عددهم كبيرا بحيث وصل في بعض السنين ثمانين طالبا. ويصف الشماخي ذلك ويقول: «ان تلاميذه) أي أبي يحيى) أرادوا ان يفترقوا لجدب وبلاء وشدة، وقالوا: «اضررنا بشيخنا، وكانوا على ما قيل ثمانين طالبا. وكان ينفق عليهم. فلما بلغه ما أجمعوا عليه جمعهم على طعام غير أدام. فقال لبعضهم: ايتهم بالأدام من موضع بالبيت سماه له. فأتى الموضع فوجده مالا ثم أتاهم بالأدام من غير ذلك الموضع. فقال: أخبرهم بما رأيت أي أن يخبرهم بكثرة ما رأى من مال ثم قال لهم: أجمعه الا لأنفقه عليكم في المسغبة، ولا آذن لأحد أن ينصرف الا لحاجة. فأقاموا فأخذ وخالد ينفق عليهم حتى زال القحط (142)

ومن الموارد الأخرى الهدايا التي كان يأتي بها الاغنياء للطلبة وللمسجد وكان بعضها مواد عينية، فما هو طازج يوزع على الطلبة والفقراء وأعضاء الحلقة. وما يمكن دوامه، كالتمر والزبيب والزيت والسمن، دون ان يتلف فانهم يحفظونه في مستودعات خاصة تدعى المطامير حيث يقوم العزابة بانفاقه على أعضاء الحلقة والتلاميذ في وقت الحاجة بالاضافة الى ما سبق فان التبرعات التي يقوم بها التجار وأصحاب الاموال قد شكلت موردا هاما من موارد بيت مال الحلقة. وخاصة اذا علمنا ان الاباضية كانوا من التجار المهرة وكان التجار الاباضية يجوبون معظم أنحاء بلاد المغرب وكذلك افريقية جنوب الصحراء. وقد برعوا في هذا المضمار حتى ان أحد شيوخ الاباضية المعاصرين محمد علي دبوز الميزابي، يذكر ان التجار الميزابيين قد بزوا أقرانهم من التجار اليهود والفرنسيين (143). ولا شك ان هؤلاء التجار قد أدوا هبات جزيلة لأعضاء الحلقه مقتدين في ذلك بأسلافهم القدامى، حينما كان التجار الاباضية أكبر سند للدعوة الاباضية في مرحلة الكتمان في البصرة خلال القرنين الأول والثاني الهجريين (144). وتورد المصادر

الاباضية امثلة كثيرة على تبرعات الأغنياء العينية والنقدية وقد روى عن أحدهم أنه تبرع بثلاثمائة بقرة لأعضاء الحلقة في مرة واحدة (145). وقد شكلت وصايا الأغنياء، قبل موتهم، بتخصيص جزء من أموالهم لبيت مال الحلقة موردا جيدا. وكان البعض يوصي بمعظم أمواله لهذا الغرض مما ساعد في اثراء بيت المال ومده احيانا بايرادات ثابتة اذا كانت الوصية تشمل الأموال غير المنقولة مثل الأراضي والبساتين وينابيع المياه (146) بالاضافة الى ذلك فان الاباضية جميعا في أماكن سكناهم كانوا يرفدون بيت مال الحلقة بسواعدهم وأيديهم وذلك بالقيام ببناء المدارس والمساجد والمشاريع الأخرى التي تعود على مجتمعهم بالنفع والفائدة. كل ذلك دون أجر أو مردود مادي

ولا يفوتنا أن نذكر ان مشايخ العزابة كانوا يتلقون مساعدات وهبات من اخوانهم في المشرق سواء من عمان أو زنجبار وكان بعض السلاطين العمانيين وسلاطين زنجبار يرسلون بالاموال الكثيرة لاباضية ميزاب لمساعدتهم على الحفاظ على أنفسهم. ويذكر أن الشيخ اطفيش، شيخ عزابة وادي ميزاب كان يتلقى راتبا منتظما من سلطان زنجبار (147)

مما مر يتبين لنا أن موارد بيت مال العزابة كانت كثيرة ومتنوعة، ومن هنا نستطيع أن ندرك قدرة مجالس العزابة على القيام بوظائفها بكفاءة واقتدار، وعلى اداء مهماتها التي تشبه، في كثير من النواحي، الاعباء والمهام التي تقوم بها الحكومات ومجالس البلديات

الحديثة

(142) شماخي، سير، ص 547

(143) محمد علي دبوز، نهضة، ج 1، ص 187 - 188

(144) شماخي، سير، ص 113 - 115، عوض خليفات، نشأة الحركة الاباضية ص 113 - 115

(145) شماخي، سير، ص 382

(146) الدرجيني، ج 2، ص 392، الوسياني، سير، ورقة 60.

(147) محمد علي دبوز، نهضة، ج 1، ص 385

- 85 -

- 84 -