الإمام عزان بن قيس
الجزء ١ · صفحة ٦٩في حقيقة الأمر من ذلك إبقاء الأفارقة في مناطقهم كقوة عمل، حين بدأ تغلغلهم في داخلية القارة. واستهدفوا أيضاً ضرب حركة التجارة العربية بين أرجاء المحيط الهندي والتي كانت تجارة الرقيق عصباً أساسياً لها. واستهدفوا ضرب العرب بالأفارقة والعكس، لإضعافهم معاً، وللبروز بمظهر الوسيط ذو النزعات الإنسانية.
ولا يجب أن يؤخذ ذلك كتعاطف مع تجار الرقيق، وإنما للإشارة هنا إلى ما قامت به الحكومة المصرية مثلاً حينما أرادت القضاء على تجارة الرقيق الموجهة إلى جنوب السودان، فقد بدأت في تمكين تجار العبيد من الحصول على مهن أخرى، بدلاً من تحطيمهم كقوة إقتصادية، فأوجدت لهم الموارد اللازمة، وتم القضاء على التجارة بأقل الخسائر وبأقل ما يمكن من
العنف.
بل أن البحارة الأوروبيين قد أخذوا يستغلون القوانين التي عرضتها الدول الإستعمارية تحت شعار محاربة الرقيق، لتفتيش السفن العربية ونهب ما فيها تحت حجة مكافحة الرقيق. ولم يكونوا في بعض الأحيان يستمعون إلى الحقائق التي تظهر أن بعض العاملين على السفن من ذوي البشرة السوداء هم من العاملين الأحرار في السفينة.
وبرزت كذلك البعثات التبشيرية لتغنم مكاسبا بدورها، عبر القيام بمواجهة الحركة الإسلامية الممتدة على مدى القرون، وبشكل طبيعي وسلمي، فكانت تقوم بتجميع الأطفال، والعبيد المحررين، وتعمل على تعميدهم وإدخالهم في الديانة المسيحية.
لقد تفاعلت هذه العوامل، مع محاولة الغرب تهديم السلطات العربية القائمة في مناطق أفريقيا الشرقية، وتدمير العلاقات التاريخية التي اكتنفت هذه السواحل من المحيط الهندي، وأضيفت إليها المظالم التي كانت تبرز من بعض السلطات العربية في تلك المناطق، والتي أخذ الأوروبيون
يركزون عليها كرمز لكل العرب. وأدت هذه المسائل جميعاً إلى إيجاد نزعة عميقة ودفينة ضد العرب والإسلام يزيد منها ويسممها الأوروبيون والبعثات التبشيرية في افريقيا ولا زالت آثارها ملموسة في مختلف الجنبات في هذه المناطق من أفريقيا
عبر
خط
بدأت أولى المعاهدات البريطانية العُمانية الخاصة بتجارة الرقيق بمعاهدة 1822 والتي يُطلق عليها معاهدة مورزبي، وقد استهدفت إيقاف تجارة العبيد القائمة بين الهند وأفريقيا في السفن العُمانية، وذلك برسم. المحيط الهندي، حيث حظرت سفن تجارة الرقيق جنوب هذا الخط وعدلت هذه الإتفاقية عام 1829 بحيث رُفع خط الحظر شمالاً، قاسماً المحيط الهندي شطرين عبر مستقيم يمتد من جزيرة سقطرى وحتى نقطة على ساحل مكران، وبذلك أغلقت جوادر وهي تابعة لعمان في وجه تجارة الرقيق. ووقع سعيد بن سلطان معاهدة أخرى عام 1845، حيث وافق على مساعدة السلطات البريطانية في القبض على الرعايا الإنجليز الذين يتعاملون في هذه التجارة. وعاد بعد ذلك بأشهر ليوقع اتفاقية جديدة لمنع أي شكل من أشكال الإتجار بالرقيق بين ممتلكاته في أفريقيا وتلك التي بجزيرة العرب، وأعطى شركة الهند الشرقية الحق في القبض على أي من السفن العمانية التى لا تتمسك بالإتفاقية. وشكلت اتفاقية 1874 الضربة القاضية، حيث حظرت استيراد العبيد لعُمان نهائياً. وتمثل هذه الإتفاقيات، غطاً فظيعاً أغاط التسلط الأوروبي عبر استغلال قضية عادلة كوسيلة لتحقيق النفوذ والظهور بمظهر الدفاع عن المبادئ الإنسانية. ولا ريب أن أوروبا، مثلها مثل كل المجتمعات الإنسانية، لم تخل من أناس أخذوا تلك القضية على محمل الجد، ودافعوا عنها وجعلوا منها قضيتهم النضالية، ولكن الحديث لا يدور عن هؤلاء ولكن عن أجهزة الدولة البريطانية التي لم تعط لهؤلاء أذنا صاغية، ولم
من
131
130