الإمام عزان بن قيس
الجزء ١ · صفحة ٧٠تجعلهم ناطقين بسياسة الدولة، بل ووجهت كافة المؤسسات الحاكمة لكي تتجاوب والمطالب التي رفعها هؤلاء الإنسانيون، إلا بعد أن تطابقت وسياساتها الإستعمارية، بعد أن تجاوزت السياسات السابقة، وأضحى منع الرقيق يخدم الإمبراطورية بمثلما خدمتها تجارة الرقيق الدموية في العقود التي سبقتها ..
(1) ،
وكانت هذه الإتفاقيات البريطانية إنعكاساً للنفوذ البريطاني المتزايد، ومداخل جديدة لتحقيق المزيد منه. وعبر ذلك وجدت أرضية للقبول بتوصيات لجنة كوجلان التي شكلت لبحث النزاع الذي قام بين زنجبار وعمان، وانتهت إلى اتفاق كانينج الذي أعطى الصبغة الرسمية للإنقسام بين المنطقتين، وذلك عام 1861 شكلت كل تلك الجوانب الأسـ أسس التي قام عليها النفوذ البريطاني وكان على عزان بن قيس أن يواجهه آجلاً أو عاجلاً. وتداخلت تلك السيطرة والهيمنة بشكل مباشر وفي فترة سبقت الأحداث بوقت قصير، حينما تدخلت بريطانيا في النزاع الذي نشب بين أبناء سعيد بن سلطان وبالتحديد بين تركي وثويني، فآوت الأول في بومي حيث أضحى قريباً من دائرة النفوذ البريطاني الأولى في المنطقة، ورعت ترتيباً معيناً بين الأخوين. وسيكون تركي هذا على رأس القائمين في مواجهة عزان، وقد كانوا كُثراً بأية حال.
كانت بريطانيا مهيمنة في المياه المحيطة بعمان، وكانت ذات نفوذ ضارب في عمان يتزايد وينمو، وكان لها وكيل في مسقط يشير وينصح، وكان في إمكانه تقديم المساعدات المادية، وفي إمكانه استدعاء الأسطول. وكانت خطوط التجارة والموانئ التي يتاجر بينها العُمانيون قد أضحت بغالبيتها تحت الهيمنة البريطانية. وكانت بريطانيا هي الضامنة لحياة ذلك وأموال التجار الهنود في مسقط ومطرح وصور وغيرها. ومن تنبع
أهمية الإعتراف البريطاني بأي حاكم جديد، فبدون ذلك الإعتراف ما كان لهؤلاء أن يركنوا ويشعروا بالأمان وبالتالي يواصلون العمل والتجارة. والأسطول والجمارك والمدن الساحلية، كل تلك أمور باتت مفاتيح للسلطة في مسقط وهذا ما كان على عزان أن يأخذه في الإعتبار بمجمله. وفي النهاية فإن بريطانيا ضامنة ورود ريالات زنجبار منذ أن أضحت الوسيط والجسر بين الطرفين.
هي
كانت بريطانيا والغرب عموماً قد طوروا أساليب الهيمنة وفرض النفوذ، ولقد غودرت أساليب القمع الجلي والسيطرة المباشرة التي كانت مرتبطة بالبرتغاليين، رواد الهجوم الأوروبي، بل أدخلوا عليها تحسينات واستحدثوا طرائق، وجددوا أخرى، وحافظوا على الجوهر. وهذا كان ولا يزال إلى يومنا هذا. وسيقضي عزان تجربته، وسيتلوه الإمام سالم بن راشد الخروصي، وستمر عقود قبل أن تفكك العلائق وتكشف الأساليب، وتنجلي الخيوط المشدودة الى الغرب. وكان لذلك ضرائب
همهم
باهظة توجب دفعها.
بعدما استقرت الأوضاع لعزان بن قيس أرسل السعوديون يطالبونه بدفع الجزية، فرفض دفعها، فأرسل الحاكم السعودي يهدد بغزو عُمان، فعاشت عُمان في سنة 1870 على أعصابها بانتظار تنفيذ هذا الغزو. و تمردت في الصيف بعض قبائل البدو بالربع الخالي، والغافرية، سكان رؤوس الجبال، والظاهرة وعُمان الوسطى، مما أضطر الإمام وصالح بن علي إلى القيام بحملات عسكرية لإخماد هذه الحركات التمردية. وكان الإمام يواجه في نفس الوقت خطراً آخراً يتمثل في تمرد قبائل الهناوية سكان قطاع أقوى أنصاره ومؤيديه «وقد كان في إمكان، بعد أن كانوا من الإمام عزان، بلا شك التغلب على كل هذه المشاكل لو لم يظهر خصم قوي جديد يتحدى بنفوذه بتأييد من بعض الجهات الأجنبية»، حسب ما يقول
جعلان
133
132