الإمام عزان بن قيس 1868-1871م: جوانب من التاريخ العربي الإسلامي في ظل الهيمنة الأوروبية أحمد العبيدلي [دارس عن الإباضية]

الإمام عزان بن قيس

الجزء ١ · صفحة ٩١

أوروبا تمثل التقدم والحضارة والعلم، ولذلك فمن كان متحالفاً معها أو لا يجد في ذلك تناقضاً حاداً كان متماشياً بالتالي مع التقدم وما كان لا ينطلق في ذلك نفس المنطلق يعتبر محافظاً. وحتى إذا اتفقنا على أن بريطانيا في القرن الماضي كانت مقراً للتقدم وللعلاقات الإنتاجية الرأسمالية المتطورة ومقراً للإكتشافات العلمية وموقعاً لأحدث المصانع وأكثر الأسلحة تطويراً، فلا ريب أنه يستوقفنا أنه بينما شهد الداخل في أوروبا مثل هذه الأمور، فإن سياسة أوروبا الخارجية لم تكن بالضرورة على نفس الشاكلة إن لم تكن بالعكس، حيث لم تؤد هيمنتها في منطقتنا إلا إلى تراجع دورنا العالمي. ولربما تقدمنا قليلا، وهذا إذا ما استبعدنا التخلف، ولكن الأوروبيين حافظوا دوماً على الفجوة التي بيننا وبينهم بل وقدمونا بما يدخل ضمن تصورهم العام للتقدم المنطلق من مصلحتهم.

وهم في ذلك يستخدمون أفضل الدعوات وأشرف المبادئ لتحقيق أكثر النتائج أضراراً بالعرب وبمسار تقدمهم. هكذا حطم القواسم وقوتهم البحرية تحت شعار «محاربة القرصنة»، وحُطم الأسطول العُماني وسممت العلاقات الأفريقية العربية باستخدام شعار محاربة الرق، وعُزلت عُمان وإمارات الخليج العربي لقرن ونصف من الزمن في مواجهة أية متركة توحيدية عربية تحت راية الدفاع عن استقلالها

وعُمان بكونها جزء من المنطقة العربية الواقعة في بقعة متوسطة من

ذلك

العلم كانت وستظل ذات أهمية بالنسبة للدول الأجنبية، ويزيد من وقوعها على التخوم. وهكذا لم يعد ممكناً رؤية أية أحداث استراتيجية بها دون أن يؤخذ في الإعتبار عامل القوى الأجنبية والأوروبية منها على وجه الخصوص. ولم يعد في الإمكان محاولة الارتكاز على الإرث التاريخي المتراكم لمواجهة معضلات العصر دون أن تؤخذ في الإعتبار متغيرات العصر

بمشكلاته الجديدة، وطبيعته المختلفة المظهر والجوهر عن القرون الخوالي

وإذا لم يؤخذ كل ذلك في الإعتبار فستأتي أية استجابة قاصرة عن الإجابة على أسئلة الحاضر ومتجاهلة لواقع وجود الأوروبيين وأطماعهم ونظراتهم المحددة تجاه هذه المنطقة. وعُمان في ذلك تُكثف واقع العرب وهمومهم في محاولتهم المديدة من أجل استعادة تجربة حدثت قبل أربعة عشر قرناً، فوضعت العرب في موقعهم المناسب لواقعهم الفعلي وطموحاتهم. وتبقى لأحداث 68 1871 أهميتها المتجددة، وتبقى لممارستها

فضل الريادة، وميزة معاناة صعوباتها.

174