محمد علي دبوز والمنهج الإسلامي لكتابة التاريخ
الجزء ١ · صفحة ٢٠لنرجو - وقد تحررت الجزائر - أن نرى المغرب الكبير يرجع الى عهود أسلافه فيكون على نظام فدرالي، وتحت حكومة عليا يختارها المغرب فتجد العربية، ويجد الإسلام، ويجد إخواننا في المشرق العربي المغرب المتماسك الذي تضافرت جهوده وكمل بعضه بعضا، فأصبح قاعدة الإسلام والعروبة التي لا تتزعزع، وسيف الله الذي يسلط على أعداء الدين والعروبة فيبيدهم … » (ص 35). وهكذا كان الشيخ دبوز في كتاباته بحق أحد أولئك الروّاد الذين أرسوا قواعد هذا المنهج الإسلامي الواضح، فقد كان - رحمه الله - شغوفا الى حد الوله بتاريخ أمته الإسلامية ماضيا وحاضرا، همه المقعد أن يستخدم هذه الكتابة في سبيل رسالة تربوية سامية تهدف الى تربية الجوانب الأساسية في شخصية النشء المسلم جانبه الديني وجانبه الوطني وجانبه العلمي، ولا يقلل من جهوده العظيمة تلك فيها أحسب - ما يمكن أن نلحظه من أسلوب يطغى عليه الخيال الشعري، والمبالغة العاطفية أحيانا، فإن هذا الأسلوب في حد ذاته هو جزء من شخصية الشيخ دبوز، وهو يجسد بأسلوبه ذاك مرحلة من مراحل التعليم في الجزائر، إن لم نقل في الوطن العربي، حين كانت المواد الأدبية الكلاسيكية طاغية على مناهج التعليم، وحين كانت الأساليب التي ينسج على منوالها الطلاب، هي أساليب العصر العباسي من أمثال الجاحظ وابن المقفع وعبد الحميد الكاتب وأضرابهم، أو هم يترصدون خطوات العمالقة من العصر الحديث مثل الرافعي، والزيات، وزكي مبارك، وتأثراً بهؤلاء الرواد كان الشكل يلعب
دورا أساسيا في أنماط التعبير، ويعتبر جانبا هاما في عملية التواصل بين الكاتب والمتلقي، لذا ينبغي ألا نؤاخذ الشيخ دبوز وأمثاله من الكتاب الإصلاحيين هذه المؤاخذة القاسية وندعي - في إجحاف - أن كتابه: تاريخ المغرب الكبير أولى به الاعدام حرقا» ونستنقص من قيمة الجهد لأن صاحبه حاول استعراض بلاغته ومعرفته بأكبر عدد من الألفاظ والتشبيهات» إدعاء منا بأن هذا اللون انقرض من الكتابات العربية الحديثة. ولسنا نوافق ما ذهب اليه بعض النقاد الى أن كتابه تاريخ المغرب الكبير خيب ظن المثقفين الثوريين، لا لشيء إلا لأن المؤلف لم يقرأ ماو تسي تونغ، وداروين، وارنولد تونيبي، وكلود كوهين وأضرابهم. ولم يتعلم منهم فلسفة التاريخ ولم يتتلمذ لهم في أصوله وقواعده. (أنظر مجلة المعرفة الأعداد المذكورة). وحسب الشيخ أصالة وتقعيدا، أنه كتب متأثرا بابن خلدون المسلم، لا متتلمذا لنكولا بييرديف الروسي، واتبع في منهجه منهجا إسلاميا يصدر فيه عن إيمانه بأن الكتابة رسالة تربوية، وهدف تثقيفي نبيل، وقد كان الشيخ واضحا صريحا حين قال: «إن التاريخ للتربية الصحيحة ولبث الروح القوية في الأمة وإذكاء الحماس للمثل العليا في القلوب، ولكن التاريخ لا يؤتي ثمارة ونتائجه التربوية العظمى إلا إذا ألقينا دروسه في تحليل علمي، وفي روح خطابية، وفي أسلوب طلي» (ص (23).
الجزائر في 1989/ 11/05
- 37 -
- 36