محمد علي دبوز والمنهج الإسلامي لكتابة التاريخ
الجزء ١ · صفحة ١٩شجاعة وجرأة لأنها ستعصف بكثير من النظريات والمعلومات التي أصبحت متداولة بين المؤرخين على أنها حقائق لا تناقش، ومن ثم راح يسلّمها السابق للاحق وتغدو عند الجميع مسلّمات لا يمكن
مناقشتها
ألا
وهو يدعو الى هذا الطرح الأصيل بحماسه وقناعة حيث يقول … يجب أن نكون نزهاء أمناء في التاريخ لا نتعصب ولا نقلد ونتنبه كل التنبه الى كتب التاريخ الإسلامي القديمة فإنها مملوءة بأكاذيب الملوك، ودعاياتهم الباطلة، ويجب نترك إلفنا وما ردّده أجدادنا فاستقر في عقلنا الباطني يكون أحكامنا، وفي التاريخ يجب أن ننظر بعقولنا ونبحث بحثا منطقيا خالصا لا توجهنا العواطف الموروثة … » (ص 24).
إن تطبيق هذا المنهج قد ظهر عند بعض المؤرخين المشارقة المحدثين مؤخراً حيث صدرت بعض المؤلفات التي تعنى بتصحيح الأخطاء التي وقع فيها المؤرخون القدامى، نذكر من بينها .. التاريخ الإسلامي وفكر القرن العشرين، لمؤلفه الدكتور فاروق عمر، وقد صدرت الطبعة الثانية منه عن دار إقرأ ببيروت سنة 1985، وكتاب: أباطيل يجب أن تمحي من التاريخ، لمؤلفه الدكتور إبراهيم علي شعوط، وقد صدرت الطبعة الخامسة منه عن المكتب الإسلامي ببيروت سنة 1983، والواقع أن ابن خلدون نفسه الذي وقع في بعض المزالق يقول في هذا الشأن «إنه كثيرا ما وقع للمؤرخين أئمة النقل من المغالط في الحكايات والوقائع
34 -
لإعتمادهم فيها على مجرد النقل غثًا أو سمينا ولم يعرضوها على أصولها ولا قاسوها بأشباهها ولا سبروها بمعيار الحكمة والوقوف على طبائع الكائنات وتحكيم النظر والبصيرة فضلوا عن الحق، وتاهو في بيداء الوهم والغلط .. » (المصدر السابق ص 3). لهذه الأسباب جميعها نرى الشيخ دبوز اتعاضا بمن سبقه يؤكد على هذه النظرية. سال 179 فإذا كان يفضل أن تنتقي للتلاميذ الصور الجميلة من تاريخنا نظرا الى مستوى أعمارهم ومداركهم ومدارج تربيتهم، فإنه هذه المرة يحث على ضرورة الوقوف على مواطن التعثر لوضع الخطى على الطريق السوي، ولا بأس عندئذ من ذكر هفوات الأجداد ليتجنبها الأحفاد حتى يقفوا على ما أثار الأعاصير في وجوههم وبذلك نحذرهم منها ونفتح عيونهم على ما أودى بدولنا القديمة من أمراض كالإنغماس في الحضارة والركون الى الراحة والإتصاف بالأنانية وبالعصبية القبائلية والمذهبية وبالحسد الذي هو أم الخبائث كلها وهو الذي أودى بدولنا الإسلامية وشق جماعة المسلمين فداخلها سوس الإستعمار .. (ص) (21) .. وبهذه النظرة الموضوعية يكون التاريخ عامل وحدة بين الشعوب الإسلامية، وما عنايته بتاريخ المغرب الكبير إلا لبنة في هذا التطلع الطموح الذي لم يكتف فيه بالتنظير وإنما سعى اليه بتأليفه الضخم الذي بلغ آلافا من الصفحات. وكان يدعو الى وحدة المغرب الكبير بحرارة وإيمان في كل ما يكتب، ووضع هذه الدعوة في صدارة كتابه الذي أصدره سنة 1963، أي بعد الإستقلال مباشرة حيث يقول «إنا
- 35 -