محمد علي دبوز والمنهج الإسلامي لكتابة التاريخ محمد بن صالح ناصر

محمد علي دبوز والمنهج الإسلامي لكتابة التاريخ

الجزء ١ · صفحة ٢٢

التناهض للعلى وان لم يشاهد الآباء فيقتدى، فان إستعداد الإنسان للتأثر ببيئته تجعله في المجتمع الذي يتنكر لماضيه، ويصوره له على غير حقيقة، يثغو وقد خلق للزئير، ويرى نفسه نعجة للحلب والذبح وهو الضرغام وقد منيت الجزائر بهذا السم المميت، وأصيبت بهذه الداهية الفتاكة فأصبح جل شبابنا سيما من تعلم منهم في الخارج على التشاؤم من وطنهم فمات فيهم الأمل وانعدمت منهم الثقة محات ميں بالنفس، فصاروا ينظرون شزرا إلى الجزائر ويرونه حطبا يابسا لا يورق، وصخرة جامدة لا تتحرك، فلو عرفوا من تاريخه ما يصور لهم من شخصيته، ويبين لهم حقيقته لعلموا أن وطنهم فذ في خصائصه ومزاياه، عديم النظير في أقطار الشرق كلها في شخصيته، وانه دوحة عتيدة خيم عليها الشتاء فخلع نضرتها فلو وجدت حرارة الربيع من قلوبهم الطافحة بالآمال ونفوسهم الممتلئة بالرجولة وجهودهم التي يذكيها الطموح فتتوالى في المحاولة وتتصل في البناء، لرمت بظلها وصارت في حديثها كما كانت في قديمها جنة الله الأرض تفيض بكل نعيم، وتزخر بكل سعادة، وتبهر قلوب الدنيا سيبدا الساعة الهياء والا سمانه

التي

ويرسم

السماء، فتمتلئ بالتشاؤم من نفسها، وتنعدم منها الثقة بالنفس التي هي سبب الحماس، ومصدر المثل الأعلى الذي هو وحده يحرك الأمة للسعي، ويبعث الإنسان على العمل، ان الأمل هو الحياة، وهو لا يكون الا بالإعتداد بالنفس واذا كانت معرفة الإنسان بتاريخه هي تخلق فيه ذلك الإعتداد، كان من يجلى للأمة تاريخها قد نفخ فيها من الحياة ما لا يكون بغيره، وقام فيها مقام من يرد الروح للميت فينبعث، انه ليس هناك فن يخلق الشخصية ويبث الحيوية المثل الأعلى كالتاريخ! فيجب أن ننصره في المدارس ونستغله في التربية، ونعتني به كل الإعتناء في التأليف، ان الأمم الشرقية اعتنت بتاريخها فأبرزته في أساليب مغرية وفي معارض أدبية فأقبل عليه الشباب، أما تاريخ الجزائر فلا زال احراجا لم تنظم ومناجم لم تنضد حتى تكون قلائد في الصدور وأقراطا في الآذان، شكر الله للعلماء النبغاء الميلي والكعاك والمدني فقد شقوا الطريق في هذه الأحراج واستخرجوا تلك المناجم، وجمعوا لنا من المادة في تاريخ الجزائر ما يفي بالحاجة سما الشيخ مبارك الميلي فقد ترك لنا في كتابه ثروة عالم واسع الإطلاع ومادة منقب في الاغوار والتلاع، الا ان من لا يعرف ما تحتوي عليه أرضه من كنوز لا يجنح إلى أن ما تركه لنا في أسلوب علمي لا يغري الا الخاصة أما الناشئة فلا الكد لإستخراجها فيترامى بالفسولة تحت الجدران تكفنه ظلالها، يستهويهم سيما وقد ألفوا أساليب القصص التاريخي، وكتب التاريخ ويخيم عليه كل بؤس، قد خلا قلبه من كل أمل يحركه للعمل، المتقنة الطبع والأسلوب، فيجب علينا ابراز تلك المادة في أسلوب فيموت ظمئا وهو على البحر، ويهلك جوعا وهو فوق الكنوز، ان يليق بهذا العصر وفي نظام يستهوي أفئدة هذا الزمان، وقد زاد الشيخ عبد الرحمن الجيلالي بكتابه تاريخ الجزائر العام في ذلك البنيان ووقف بعمله في صف هؤلاء المحسنين، وقلد الجزائر معهم

بكل العبقريات

في

من أراد أن يقتل أمة قطعها عن ما ضيها بقتل تاريخها فلا يعيش في نفسها، فيصور لها نفسها كما يريد، جذعا خاويا لا يفرع إلى

- 41 -

-40 -