محمد علي دبوز والمنهج الإسلامي لكتابة التاريخ محمد بن صالح ناصر

محمد علي دبوز والمنهج الإسلامي لكتابة التاريخ

الجزء ١ · صفحة ٢٣

مننا لا تحصى، وقد بالغ الأستاذ في اخراج كتابه فجاء من حيث الطبع في حلة أنيقة وفي مظهر جميل، أما من حيث الأسلوب فمتوسط، فليت الأستاذ جمع إلى جمال المظهر طلاوة الأسلوب وحلاوة التعبير، وحسن العرض ليجذب الناشئة إليه واذا كنا في الأسلوب لا نطالب الشيخ بأكثر مما أتى لأنه أعطانا جهد الإستطاعة وغاية ما وصلت إليه الطاقة، فاننا في بحثه نلاحظ عليه الايجاز الذي لا ينبغي في بعض الأبواب، والتقصير المخل في بعض الفصول وعدم التدقيق في بعض الحوادث وسأضع يد الأستاذ على بعض ذلك هدية من صديق يغار على تاريخه أن يشينه شوب، وهداية للصديق فلا يقع في مثلها في الجزء الثاني

هي

فأول ما ألاحظه على الأستاذ في أول كتابه وهو الجزء الذي درسته باهتمام، وفحصته في دقة تعمده الإيجاز في تاريخ الجزائر قبل الإسلام، وإغفاله حلقات الأصول، وهل حاضر أمة اذا درسناه إلا نتيجة لماض لها يجب أن ندرسه لأنه أصله، وقد رأينا جميع المؤرخين كإبن الأثير وابن خلدون والطبري يعتنون كل الإعتناء بتاريخ العرب في الجاهلية فيصورون لنا تصويرا كاملا حياتهم وأحوالهم قبل الإسلام لأن ذلك كله هو سبب تكون الشخصية العربية، وإنطباعهم بطابع خاص تميزوا به عن غيرهم ومن لا يعرف تاريخ العرب قبل الإسلام يستعصي عليه فهم كثير من الحوادث التاريخية الكبرى في الإسلام كالصراع بين الهاشميين والأمويين في صدر الإسلام، والحروب التي وقعت بينهما في القرن الثاني وهي حروب ووقائع أسفرت الأولى عن دولة بني أمية، وأسفرت الثانية

عن دولة بني العباس، وان العرب يمتازون بخصائص كالشجاعة والكرم، والنجدة والوفاء والذكاء، وسعة الخيال وغير ذلك من الخصائص الجسمية والعقلية والخلقية، والبربر متصفون بكل تلك الخصائص وهي وليدة تاريخهم الطويل، ونتيجة البيئة الطبيعية والبيئة الإجتماعية التي توالت عليهم قرونا فلا بد لمعرفة البربر في الإسلام بمعرفة تامة لتاريخهم قبل الإسلام لأنهم في الحاضر لا يتصرفون الا بعوامل ورثوها من الماضي، ثم أن البربر لهم قبل الإسلام مجد تليد، وصفحات ذهبية، ودول عظمى، وحضارة راقية ومواقف للبطولة والذب عن الأوطان لا زالت من أكبر مفاخرهم إلى هذا الزمان فلو لم يكن في جاهليتهم الا تلك المواقف لكانت أكبر سبب يحثنا على تسجيل تلك الحقبة من تاريخهم لأنها هي التي تفهمنا أسباب استعصاء البرير على العرب في الفتح الإسلامي نصف قرن كامل وهو حادث لم يقع للدولة الإسلامية في كل ما فتحت من الأقطار فكيف ومع بطولة البربر في الحروب، وبسالتهم في النزال حضارتهم العظمى ودولهم الكبرى التي وصلت على ما تصل إليه الأمم في ذلك الزمان من المدنية والرقي، ان تفصيل القول في هذه الحلقات واجب ولو كان الأستاذ لا يريد بكتابه الا تاريخ الجزائر في الإسلام فكيف وقد سماه تاريخ الجزائر العام، ثم أنه قد واعدنا في مقدمته أن يجلو علينا شخصيات الجزائر ويبين لنا آثارها فيه فمر مر الكرام على الشخصيات الجزائرية العظيمة قبل الإسلام سيما في ميدان السياسة والنضال كمصينيسا وصيفاقس ومصيبسا ويوغورطه، ويوبا الأول، وعرابيون وقرموس، وجلدون، هذه الأقطاب التي شرفت الجزائر في

- 43 -

- 42 -