الربيع بن حبيب محدثا وفقيها
الجزء ١ · صفحة ١٢٢هذا وليس هناك فرق - بتلك الشروط والصفات والمواصفات المذكورة آنفا - بين الفقيه المفتي المسلم الحر والعبد، والمرأة والأعمى والأخرس إذا كتب أو فهمت إشارته (2)
3 - المدرسة الفقهية التي ينتمي إليها الفقيه أبو عمرو الربيع بن حبيب
لقد سبقت الإشارة في الفصل الأول من الباب الثاني من هذا البحث إلى أن أبا عمرو الربيع بن حبيب الفراهيدي قد التحق - عند مجيئه من عمان إلى البصرة بالعراق - بمدرسة أو حلقات دروس التابعي الكبير أبي الشعثاء جابر بن زيد، وتتلمذ عليه لفترة وجيزة إذ كان جابر بن زيد رضي الله عنه حينئذ في أواخر أيام حياته، وما لبث إلا يسيرا بعد التقائه بالربيع حتى لاقى ربه سنة 93 هـ وبذلك كان أكثر ما أخذه الربيع من العلوم الدينية والعربية عن تلاميذه الكبار الذين كانوا يمثلون آراءه ومذهبه حق تمثيل، ويترسمون خطاه وينتهجون سبيله في الدعوة إلى العودة بالمسلمين إلى الإمامة العادلة وشوروية البيعة وحرية الاختيار للحاكم كما كانوا عليه زمن الخلافة الراشدة، من أمثال: أبي عبيدة مسلم ابن أبي كريمة، وضمام بن السائب، وجعفر بن السماك، وأبي نوح صالح الدهان وغيرهم. أخذ أبو عمرو الربيع بن حبيب من هذه المدرسة علومه الدينية وأراءه الفقهية، فهي وإن كانت إحدى مدارس البصرة الشهيرة بالعراق إلا أنها لم تذهب مع الرأي ذلك المذهب الذي بلغه الحنفية والمعتزلة، فإمامها أبو الشعثاء قد اعتمد نصيحة شيخه الصحابي الجليل أبي عبد الرحمن عبد الله بن عمر بن الخطاب، رضي الله عنها إذ قال له: «يا جابر إنك من فقهاء أهل البصرة، وستستفتين فلا تفتين إلا بكتاب ناطق
(20) عبد الباسط بن موسى العلوي، مرجع سابق، ص 85.
سنة ماضية. وفي رواية أخرى قال جابر بن عبد الله: يا ابن زيد! إنك من فقهاء البصرة، إنك ستستفتي فلا تفتين إلا بقرآن ناطق أو سنة ماضية، فإنك إن فعلت غير ذلك هلكت وأهلكت، عمل أبو الشعثاء بهذه النصيحة في بناء أصوله الفقهية، وإجراء أحكامه الشرعية على كتاب الله العزيز وسنة رسوله الكريم صلى الله
عليه وسلم.
ويمكن وضع هذه المدرسة الفقهية الجابرية (أو ما سمي فيا بعد بالمذهب الإباضي في المنزلة أو الشريحة التي تقع - إن صح التعبير - بين أهل الظاهر والحنابلة من جهة، والحنفية من جهة أخرى، فهي تعتمد من حيث الأدلة بعد القرآن الكريم في مجال السنة على المتواتر والمشهور أو المستفيض وعلى الأحادي، وعلى مرسل الصحابة والتابعين، وإذا تعارض الحديث والقياس رجح جانب الحديث ولو كان أحاديا أو مرسلا للطبقة السابقة، ولا يرد الحديث الأحادي إلا إذا عارضه دليل قطعي. وتقول - أيضا - بالقياس والاستصحاب، والمصلحة المرسلة. ولعله من المفيد أن يثبت الباحث أصول هذه المدرسة أو بعبارة أدق أصول المذهب الإباضي التي كان أبو عمرو الربيع بن حبيب. أحد رواد تقعيدها وتأصيلها.
أ - أصول الإباضية في التشريع: مصادر التشريع عند الإباضية هي: القرآن الكريم، والسنة النبوية المطهرة، والإجماع والقياس، والاستدلال ويندرج تحته، الاستصحاب، والاستحسان، والمصالح المرسلة. وقد يطلقون على الإجماع والقياس والاستدلال كلمة (الرأي) فيقولون عندما يتحدثون عن مصادر التشريع هي: الكتاب، والسنة، والرأي، ذلك أخطأ ويسبب كتب عنهم فظن أنهم ينكرون الإجماع.
بعض من
(29) أبو عبد الله بن إسماعيل البخاري (ت 256 هـ) التاريخ الكبير: بيروت: دار الكتب العلمية، لا. ت. مج: 2، القسم الثاني من الجزء الأول من 204. (30) أبو الفدا إسماعيل بن عمرو بن كثير (ت 774 هـ) البداية والنهاية (شرح وتحقيق: مكتبة المعارف) ط 3. بيروت: مكتبة المعارف، 1980 م ج: 9، ص 94
(31) علي يحيى معمر (ت 1980 م) الإباضية بين الفرق الإسلامية - القاهرة: مطابع سجل العرب، 1976 م.
357 - 357
-229 -
-228 -