الربيع بن حبيب محدثا وفقيها
الجزء ١ · صفحة ٧٥أخذه
عبيد الله
أهل الدعوة قد بن زياد وجلده ليدل على أحد المسلمين (الإباضية) فلم يفعل وقال جابر بن زيد: وكنت قريبا منه، وماكنت أنتظر إلا أن يقول: هذا هو فعصه الله. وهناك بعض روايات تجزم على أن أبا بلال مرداس بن جدير لم يخرج كزعيم للشراة زمن ابن زياد إلا بمشورة أبي الشعثاء جابر بن زيد وموافقته له، وهذا مما يؤكد تولي جابر ابن زيد تنظيم حركة أهل الدعوة (الإباضية) منذ ذلك الحين
141)
ولما كان أبو الشعثاء قد وظف نفسه لنشر تلك المبادئ التي نادى بها سلفه من الذين قتلوا في النهروان والنخيلة وغيرهما من المواطن، والتي من بينها دعوة المسلمين للرجوع إلى شوروية الخلافة، ومناهضة الحكام المتجبرين الذين حولوا الإمامة إلى ملك كسروي عضوض، واعتبار هذه الخلافة أهم مرافق (مؤسسات) الدولة، وأعظم مظهر للأمة، وأقوى سلطة تشرف على تنفيذ أوامر الله، وتطبيق أحكام الكتاب العزيز، وهي بهذا الوصف لا يمكن أن تخضع لنظام وراثي، ولا أن ترتبط بجنس أو قبيلة أو أسرة أو لون، وإنما يجب أن يشترط فيها الكفاية المطلقة، الدينية، والخلقية، والعملية والعقلية. فإذا تساوت هذه الكفايات في عدد من الأشخاص أمكن أن تجعل الهاشمية أو القرشية أو العروبة من أسباب المفاضلة، أو من وسائل الترجيح. لما كان جابر بن زيد وظف نفسه لنشر تلك المباديء فقد انتهج أسلوبا يمكنه من تحقيقها تمثل في أربعة خطوط رئيسة وهي:-
(43)
1 - اجتناب أي احتكاك أو صدام معاد مع الحكام الأمويين، والإبقاء على علاقة حسنة معهم، مما جعله لا يتعرض لأي أذى من قبل ابن زياد - وبالرغم
(39) أبو العباس أحمد بن سعيد الشياخي، مرجع سابق، ص 93.
(40) عوض خليفات. نفس المرجع، من 92.
(41) عوض خليفات. نفس المرجع، ص 92.
(42) راجع: علي يحيى معمر الإباضية في موكب التاريخ، مرجع سابق. الحلقة الأولى. ص.
من أن بعض أعضائه لقي عنتا كبيرا منه، وكانت علاقته مع الحجاج بن يوسف في البداية ودية بفضل مساعي كاتبه يزيد بن مسلم الذي كان صديقا حميما لجابر، فقد استطاع هذا أن يحببه إليه، ويدرأ عنه شره، ويخصص له راتبا شهريا مناسبا، كما عرض عليه منصب القضاء، إلا أنه رفض ذلك بحجة عدم القدرة على تحمل أعباء هذا المنصب الخطير، وقال: «إني ضعيف ولما سأله الحجاج عن سبب ضعفه؟ أجاب: يقع بين المرأة وخادمها شر فما أحسن أن أصلح بينها. قال الحجاج: إن هذا لهو الضعف (3) 2 - عدم اقتصار دعوته عن أتباعه في البصرة ومن كان موجودا بها، بل تعدتها إلى الأمصار الإسلامية الأخرى، حيث كان يبعث بالدعاة إلى مختلف المناطق، مما جعله يكسب عددا من الأتباع ممن تولوا - فيا بعد -. مراكز المسؤولية دون علم السلطات بمعتقدهم، كالنعمان بن مسلمة الذي كان واليا في بعض مناطق خراسان، ويزيد بن يسار الذي عيّن عاملا للأمويين على عمان،
فأرسل إلى جابر يستشيره في ذلك ويطلب نصائحه وإرشاداته. 3 - احتضان مدرسته لكل من يقبل على دروسه من الطلبة سواء أكانوا أعضاء في الحركة أم لم يكونوا، وبذلك نجد قد تتلمذ عليه كثير من علماء الأمة الذين ليسوا من أهل الدعوة: كقتادة بن دعامة السدوسي، وعمرو بن دينار، وأيوب السختياني ويعلى بن مسلم، وعمرو بن هرم وغيرهم كثير، وذلك ليوهم السلطات أنه لا يعمل لتوجيه فئة معينة إلى غايته.
4 - حرصه الشديد على سرّية التنظيم، وكتمان أسماء أفراد المنظمة من أن تعرف لدى الحكام، لذلك اتخذ موقفا صارما وصلبا إزاء كل من دلّ على أتباعه، أو أفشى سرهم، كما فعل (بخردلة). فقد جاء في كتاب شرح عقيدة التوحيد للشيخ محمد بن يوسف طفيش: «أتى شاب أبا الشعثاء جابرا فقال: أي
(43) أبو العباس أحمد بن سعيد الدرجيني، مرجع سابق، ج 2، ص 211. (44) عمرو خليفة النامي، دراسات في الإباضية رسالة دكتوراه باللغة الإنجليزية. فصل جابر بن (45) نفس المصدر نفس الفصل ..
-139 -
-138 -