دراسات في تاريخ المكتبات والوثائق والمخطوطات الليبية
الجزء ١ · صفحة ١٠Mall
المثقفين في العهد القرمانلى، وأظهر منذ سنه المبكرة اهتماماً عظيماً بتحصيل العلوم، وأخذ هذه العلوم من أساتذة عصره في طرابلس أمثال الفقيه
،
الشاعر محمد بن سالم الفطيس، والفقيه عبد السلام بن محمد بن ناصر والشيخ محمد عبد الرحمن الكانونى البرناوى، وربما قرأ عليهم القرآن الكريم، وأخذ. مبادئ العربية والفقه والحديث، ولكنه لم يكتف بهذا القدر من المعلومات. فاعتمد فى تثقيف نفسه عن طريق اقتناء الكتب ونسخها، وتكونت لديه مكتبة جيدة أصبحت فيما بعد نواة مكتبة طرابلس العامة (4). وكانت تعرف حينئذ بمكتبة الكاتب، نظراً لميوله الأدبية التي جعلت منه أديباً كاتباً يجيد الإنشاء والتدوين وتحرير الرسائل ونسخ الكتب فحمل لقب (الكاتب)، ومن ناحية أخرى يعتبر مصطفى الخوجة من أبرز الليبيين الذين لهم دور فعال في الحياة الاجتماعية والسياسية على الصعيدين الوطنى والعالمى خلال العهد القرمانلى، فقد كان مستشاراً لعلى باشا القرة مانللى وكبير الكتاب، له وفى عام (1183) بنى المسجد وألحق به مدرسة، وتاريخ التشييد منقوش على لوحة رخامية في مدخل المسجد والمدرسة الكائنين فى داخل المدينة القديمة بطرابلس قرب السور الشرقى الذى لا يبعد كثيراً عن مسجد درغوث باشا عند زنقة الريح (15)
ويعود الفضل إلى مصطفى الخوجة فى تأسيس المسجد الذى ألحق به الكتاب والمدرسة التى ما زالت تعرف بمدرسة الكاتب، وتقع شمال برج الساعة بنحو (200) متر. ووقف عليها أوقافاً كثيرة، وترك خزانة كتب قديمة في مختلف فروع المعرفة (16). وقد سئل الفقيه أبو على الحسن بن موسى بن
معمر الهوارى الطرابلسي عن خزانة المدرسة وكم كان بها من الكتب
،
(14) أحمد النائب الأنصاري المنهل العذب فى تاريخ طرابلس الغرب. طرابلس: مكتبة الفرجاني، ص 312 (15) مصطفى الخوجة تاريخ فزان تحقيق وتقديم حبيب وداعة الحسناوى. - طرابلس: منشورات مركز جهاد الليبيين للدراسات التاريخية، 1979. - ص 20
(16) أعلام ليبيا، - ص 344
فأجاب أنها كانت ثلاثين ألف سفر، وأنه تأخر عنها مدة ثم أعيد إليها بعد ذلك فوجدها عشرين ألف، سفر، ثم لما أعيد إليها هذه المرة اختبرها ووجدها تنقص ستة آلاف، سفر، فسئل عن ذلك فقال أفناها المطر وأيدى البشر (17) وقد خصص مصطفى الخوجة فى وقفيته الموجودة فى سجلات المحكمة الشرعية بدار المحفوظات التاريخية فى طرابلس، ثروات هائلة من العقارات والأملاك، ولعل أهم جانب فى هذه الوقفية، هو مجموعة الكتب الضخمة التى أوقفها على المدرسة وتضم ما يزيد على (500) مخطوط في مختلف العلوم والمعارف (18)، ومنها تاريخ ابن غلبون المعروف بعنوان (التذكار فيمن ملك طرابلس وما كان بها من الأخيار وكتاب آخر عن تاريخ غدامس، ولعله هو المخطوط نفسه الموجود حالياً فى المكتبة الوطنية في باريس.
ولقد ورد في وقفية الكاتب أن المحبس اشترط أن لا يخرج من المدرسة المذكورة ولو كتاب واحد ما عدا الشيخ المدرس فيسمح له بإخراج كتابين من كل فن للمراجعة والنظر، وكذلك المحبس المذكور حفظه الله من الشرور فله إخراج كتاب واحد إذا أراد ذلك، وأن يفيد ذلك بخطه بالسجل المحفوظ بها، وقد أذن للشيخ محمد ابن المرحوم عبد الكريم بن مكرم شيخ المدرسة بقبول هذه الكتب، فقبلها وحوزها للمدرسة حوزاً تاماً صحيحاً شرعياً في سنة
(1188 هـ)، وقد صارت هذه المكتبة نواة لمكتبة الأوقاف فيما بعد (1) ومن النشاطات الثقافية التي مارسها مصطفى الخوجة قيامه بتجميع معلومات عن موضوع واحد أو مجموعة من الموضوعات من مصادر مختلفة يؤلف بينها ويصنعها فى كتاب أو كراس صغير كما فعل في تاريخ فزان، وقد قام بتحقيق هذا العمل الأستاذ حبيب وداعة الحسناوى وتم نشره عام
(17) محمد بن عثمان الحشائشى: رحلة الحشائش إلى ليبيا سنة 1895؛ تقديم وتحقيق على مصطفى المصرانى - بيروت: دار لبنان، 1965. - ص ص 48 - 49. (18) مصطفى الخوجة تاريخ فزان. - ص 22. (19) وقفية مصطفى الخوجة الكاتب. - سجلات محكمة طرابلس الشرعية. - دار المحفوظات التاريخية.
27
26