دراسات في تاريخ المكتبات والوثائق والمخطوطات الليبية عبد الله محمد الشريف

دراسات في تاريخ المكتبات والوثائق والمخطوطات الليبية

الجزء ١ · صفحة ٢٩

ومن تتبع تاريخ ليبيا عبر العهود المختلفة مثل أيام الدولة الأموية، والعباسية، والفاطمية، والأغالبة، والموحدين، والحفصيين، والإسبان، و فرسان القديس يوحنا (فرسان مالطا ثم الأتراك العثمانيين الذين انتهى حكمهم المباشر الأول عام 1711 م حيث تولى القرمانليون الحكم وهم أتراك أيضاً من قرمان بآسيا الصغرى بالأناضول ولكنهم تميزوا عن الحكم العثماني الأول بأن نوع الحكم لديهم كان وراثياً وفيه أكثر استقلالية عن الآستانة من

العهد الذي تبعه

ويظهر أن العهد القرمانلي كان أفضل من غيره من العهود التي سبقته حيث شهدت طرابلس الغرب فى عهدهم تأسيس أول مكتبة عامة تلحق بمدرسة قرآنية وكانت تضم مجموعة جيدة من الكتب لا غنى للطالب أو المدرس عنها ونعنى بهذه المكتبة والمدرسة هى مكتبة مصطفى خوجة المعروف بالكاتب، وقد اشتهرت مدرسته أكثر من مكتبته لدى الناس، حيث كانت مدرسة الكاتب ثالث مدرسة مهمة بمدينة طرابلس بعد مدرسة عثمان باشا الساقزلى ومدرسة أحمد باشا القرمانلي

إن مصطفى خوجة كان من المثقفين المعدودين بإيالة طرابلس الغرب في نهاية القرن الثامن عشر الميلادى الربع الأول من القرن الثالث عشر (الهجرى حيث اهتم اهتماماً كبيراً بالثقافة فبنى من أجل ذلك مدرسة وجامعاً وكتاباً لتحفيظ القرآن للأطفال ثم أضاف إليها المكتبة، وقام بنفسه بنسخ عدة كتب مهمة بقلمه كما كلف غيره بنسخ البعض الآخر على حسابه الخاص. وقام بمهمة جليلة وهى وقف مخطوطاته الخاصة بمكتبة مدرسته لتكون ملكاً للمجتمع كله. وبذلك حفظ بعض المخطوطات من الضياع حيث قام بتسجيل هذه الكتب بسجل المحكمة الشرعية بطرابلس وأعطى وصفاً لكل كتاب حتى يمكن الرجوع إلى الوقف عند حدوث أى إشكال.

وبالرغم من أن تاريخ تسجيل الوقف كان متأخراً عن وفاة مصطفى خوجة فهو مسجل بسجل المحكمة الشرعية من 1254 هـ إلى 1265 هـ وكان تاريخ الوقف 1263 هـ الموافق 1846 - 1847 م عقب وقف المدرسة والكتاب

والجامع الذى كان قد تم فى عام 1212 هـ[1797 - 1798 م]. ومصطفى خوجة لا نعرف متى ولد ولكن المؤكد لنا تاريخ وفاته بمدينة طرابلس في 1213 هـ (1798 - 1799) أيام حكم يوسف باشا القرمانلي بعدما عمل كبير الكتاب لدى والده على باشا القرمانلى عدة سنوات كما عمل بالتجارة خاصة في بضائع هامة مثل الذهب والفضة والرقيق وقد ثبت هذا من خلال رسالة بتاريخ 1729 باللغة الإنجليزية تبين نوع التجارة التي كان يزاولها مصطفى خوجة مع بعض المواطنين بطرابلس وهى مرسلة إلى لندن والتي تبين سبب ثرائه وبذلك فهى التى وفرت له الأموال الطائلة التي أوقفها في المشاريع الخيرية رحمه الله.

لقد انسحب مصطفى خوجة من العمل مع الأسرة القرمانلية عقب هجرتها إلى تونس من 1792 إلى 1795 م بعد أن تمكن على برغل الجزائرى من الاستيلاء على الحكم بطرابلس الغرب ولكن حمودة باشا باي تونس (1783 - (1814 م استطاع طرد على برغل وترجيع الأسرة القرمانلية إلى الحكم من جديد بفضل نصيحة مصطفى خوجة وزير حمودة باشا وليس مصطفى خوجة الكاتب الطرابلسى بعد أن ضم على برغل جزيرة جربة إلى إيالة طرابلس الغرب بعدما كانت قد ضمت إلى تونس بعد درغوت باشا. ومصطفى خوجة كتب تعريفاً بنفسه فقال:

الكاتب مصطفى خوجة بن قاسم بن عبدالله قريشي النسب طرابلسي

الدار. . . حنفى المذهب أشعرى الطريقة» (2)

أما أحمد النائب الأنصارى فإنه يقول عن مصطفى خوجة: «ولد رحمه الله تعالى بطرابلس وبها نشأ وقرأ العلوم على أساتذة عصره وأعلام مصر منهم الشيخ محمد بن عبد الرحمن الكانوى البرناوى والأستاذ محمد بن سالم الفطيسى والعلامة عبد السلام بن محمد ابن ناصر ونال علماً وافراً. ثم

(2) أحمد النائب الأنصارى، المنهل العذب فى تاريخ طرابلس الغرب، مكتبة الفرجانى، طرابلس ليبيا ص 302، ص 305.

67

66