التحفة البهية في الرحلة الشرقية
الجزء ١ · صفحة ١٦29
28
وأقوال المؤرخين فيه مضطربة ويحتمل ان يكون هيكلا وضعته قبيلة قضاعة التي كانت تسكن تلك الضواحي معبودا لها قبل الاسلام كما كانت قبائل كاب ومراد و همدان وحمير يعبدون (ود او بغوث و يعوق ونسرا) وهى على ما يزعمون أولا دسواع بن شيث ولما جاء الاسلام أبطل كل ذلك وأما طول القبر بهذا المقدار فيحتمل ان يكون أخذه العرب في ضمن ما أخذوه من ديانة اليونانيين قبل الاسلام فقد كانوا يقيمون الهياكل للنجوم منها هيكل الزهرة الذي بناه الضحاك في صنعاء اليمن وبالجملة فلا يبعد ان يكون قبر حواء من الهياكل المقدسة قبل الاسلام و بقى أثر الامومة مزار اللناس بعد الاسلام وكان شريف مكة عون قد هدم كثيرا من القبور القديمة التي خرجت من حد المزارة الى كونها معبودة ومن جملتها هذا القبر لما أراد هدمه منعه قناصل الدول بدعوى ان حواء أم البشر ليست خاصة بالمسلمين فقط وعلى كل حال فنحن نحترم قول العرب في أمهم كما نحترم قول الافرنج فيها فهي أم الكل والطريق من جدة الى مكة تدخل بين واد بين جبلين أعلاهما يسمى القائم تم تمر فى طريق على جبل يعرف بالرغامة وفيه قهوة للاستراحة ثم على جبل أم السلم وفيه قهوة العبد ثم يأخذ الوادى فى الميل الى الجنوب الشرقي حتى يصل الى بحرة وهناك يتسع الوادى و يقطعه وادى آخر يسمى وادى فاطمة وهو واد عظيم من أشهر أرض الحجاز خصوبة و يسكنه كثير من قبائل الاشراف الذين يملكون أغلب أراضيه ويزرع فيه جميع أنواع الخضراوات التي تجلب الى مكة وفيه عيون من الماء بكثرة وفيه بساتين من نخيل وأعناب والبرتقال والليمون وهناك عدة أكواخ يسكنها العرب ويوجد أيضا قهاوى الاستراحة خصوصا راكبي الحمير والهجين من الحجاج و يشترون ما يلزمهم من خبز وجبن و ملح و بعض الفواكه و يأخذ الطريق من بحرة المذكور نحو الشرق بميل الى الشمال فيمر على حدة فيبيت فيها بعض القوافل ثم على قهوة سالم تم على جبل الشمس تم على المقتله ثم الهجالية ثم البستان ثم قهوة المعلم تم
الشيخ محمود وهو باب مكة المكرمة وفيه قبر جار الله الزمخشري صاحب التفسير الشهير المعروف بالكشاف وكان قد أتى اليها حاجاسنة 538 هجرية فمات بها يوم التروية ودفن بهذا المكان وعلى طول الطريق أربعة وعشرون قلعة مملوءة بالجنود العثمانية على الدوام بعضها قديم والبعض الآخر حديث ولماعز منا على التوجه الى بيت الله مكة المشرفة في (3) ذى الحجة الموافق (2) نوفمبر اتفقنا مع الجمالين على اجار المحمل بمبلغ سبعة عشر فر نك للراحلة فقام بنا الركب فى صباح ذلك وأمسى ببحرة المتقدمة بيانها ففي صباح الغد الساعه العاشرة حظينا بدخول مكة المشرفة وألسنتنا تتبادر بالتلبية تارة و بالتكبير أخرى وبالصلاة على النبي صلى الله عليه وسلم وقلو بنا تكاد تنفطر وتنشق مما غشاها من هذه الحظوظ بالسرور والفرح بشهود هذه المشاعر الدينية تعظيما الحرمات الله ذلك ومن يعظم حرمات الله فهو خير له عندر به» فحمدنا الله تعالى على هذه المنة العظيمة والمنحة الجليلة ثم قصد نادار الجماعة حيث أعدت لانزول وكنا أول من دخلها من الحجاج فوقع اختيارنا على الطبقة العليا من منازلها تم قدم از اطعام مهيا من مقيمى البيت وبعد الاكل والاستراحة اغتسلنا وتوجهنا الطواف القدوم و بعد ان انتهينا من الطواف ببيت الله المنصوص عليه شرعا توجهنا أيضا للاتيان بالسعى بين الصفا والمروة فسعينا سبعة أشواط وكنت ترى فى هذين المشعر بن العظمين الجم الغفير من الحجاج يتراوحون زرافات متتالية ليلا ونهارا وأعينهم تفيض من الدمع وألسنتهم تبتهل الى رب البيت باصوات التكبير والدعاء حتى ان الواحديري نفسه كأنه فى عالم آخر لا كعالم الاجساد و الاشباح بل في عالم الارواح حيث ان النفوس البشرية الزاكية تتجرد فى تلك المقامات المحترمه عن العوارض الدنيوية التي كانت حجا بأعنمها من الوصول الى مراتب الكمال ثم رجعنا الى محل اقامتنا مستبشر بن بهذا الفضل الجزيل